ينتابني إحساس غريب أقرب للشعور بالانفصام.. لا تستعجلوا الحكم، لكن اصغوا بقلوبكم..

عندما ألتقي أحدهم، ينتابني إحساس بأن علي أن أقدم تعريفا ما عن نفسي. أحتاج لنوع من إثبات حسن النوايا أو درء تهمة أو شبهة من نوع ما. فعندما ألتقي شيعيا، أشعر بدافع خفي بأن أوضح على نحو مترفق وإن بشكل غير مباشر، أنني لست ممن تلوثوا بالأفكار أو المشاعر السلبية عن الشيعة.. أن أثبت له على نحو ما أن ثمة شعورا بالإخاء يجمعني به. لا أتحدث عن من يعرفني جيدا، بل عن أولئك الذين تلتقيهم صدفة أو من أجل عمل أو معاملة أو ما شابه ذلك.

وإذا كان اسمي يثير اللبس أحيانا وغير كاف للحكم بالنسبة للآخرين فيمن أكون، فإن هذا هو ما يدفعني لفعل الشيء نفسه إن التقيت سنيا. لا يحدث الأمر تلقائيا، ولأن السلوك في الغالب نوع من ردات الفعل، فثمة ما يحفزني دوما لفعل هذا، وهذا أسوأ ما في الأمر. في الحالة الثانية، أبادر لتقديم ذلك التعريف غير المباشر عن نفسي، أحيانا لدفع الآخر للتبسط من توتر مكتوم أثاره اسمي في الغالب.

قس على ذلك، إن التقيت متدينا (سنيا كان أم شيعيا)، فالإحساس هو نفسه، عليك أن تدرأ عنك شبهة قلة الإيمان أو عدمه. والعكس إن التقيت من يجاهر بنقد المتدينين أو هو على خصومة سياسية أو فكرية معهم.. هنا يتعين علي أن أثبت على نحو ما أن مجرد الصداقة أو معرفة شخص سلفي أو من الإخوان المسلمين، أو حتى الاتفاق معهم في جزئية من وجهة نظر، لا تعني أنني مثلهم. الآن، تتساءلون حتما: لم كل هذا العناء؟

حسنا، اسألوا أنفسكم إن قابلتم شخصا أجنبيا، فرنسيا أو بريطانيا أم أميركيا، هل ستهتمون كثيرا لمعرفة إن كان أي منهم كاثوليكيا أم بروتستانتيا أم أرثوذكسيا أم من طائفة المورمون أو ملحدا؟ لن تتوقفوا ثانية لكي تفكروا في هذا، فلماذا ينتابنا نحن فقط هذا الإحساس بأن علينا أن نقدم نوعا من «إثبات حسن النية»، قبل أن نبدأ حديثا عاديا أو معاملة من نوع ما؟

أسوأ ما في كل هذا أنه بات اعتياديا للكثيرين، لكنه المعنى الوحيد لهذا الشعور المتزايد الوطأة بأن حياتنا أصبحت ثقيلة لأننا افتقدنا العفوية.

السبب في هذا أن ذهنيتنا وثقافتنا العامة محكومة دوما بالثنائيات في كل شيء: سنة وشيعة، حكومة على حق دوما ومعارضة مخطئة دوما أو العكس. متدين وغير متدين، عربي وأجنبي.. وصولا إلى: من ليس معنا فهو ضدنا.

لا يتعلق الأمر بالحياة اليومية في أصغر تفاصيلها كتلك التي بدأت بها، بل إن هذه التفاصيل الصغيرة توضح بجلاء مدى التأثير المدمر للثنائيات على المستوى السياسي والثقافي، التي غدت مراجل تضخ السموم في الحياة اليومية.

ثنائية السنة والشيعة تلك، يغذيها المرجل العراقي، وثنائية التدين من عدمه ليست جديدة أو طارئة، لكن المرجل العراقي حقنها بجرعات هائلة، لأنه اختزل العراق وأوضاعه بشكل فج في صراع بين السنة والشيعة فحسب. لقد باتت هذه الثنائية تتغذى يوميا مما يجري في العراق، ولبنان أيضا.

ثنائية المقاومة والتسوية أو الاستسلام، يغذيها ما يجري في فلسطين. فالثنائية نفسها باتت تحكم الفلسطينيين منذ زمن ليس بالقصير، أما مفاعيلها فمدمرة على الفلسطينيين وتاليا علينا نحن، إلى الحد الذي يدفعنا للتساؤل: هل توقف ذكاء الفلسطينيين وقدراتهم عند حدود تلك الثنائية؟

أصبحنا نبحث عن المخارج من هذه الثنائيات، ويبدو الأمر أقرب للاستحالة أو أنه يحتاج لمعجزة. المؤسف أن المعجزة المطلوبة هي تعبير ملطف لمفردة الكارثة. كارثة الاحتراب الأهلي في العراق وفي فلسطين ولبنان، لم تكن كافية على ما يبدو. وهي إن حركت المعنيين قليلا للجلوس معا والبدء بمبادرات صغيرة لحوار أو تهدئة، فمن الواضح أنها لم تحدث أي تأثير في منطق الثنائيات.

أسوأ ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع، هو أن يكون محكوما بالثنائيات أياً كانت. إن منطق الثنائيات مريح للذهن، ومع شيوعها واستحكامها تجد الناس تميل دوما لإصدار الأحكام بسرعة، سواء تعلق الأمر بنزاع على أولوية المرور في شارع أو مطلب سياسي أو اجتماعي أو تحرك اجتماعي أو رأي مغاير. مشكلة الثنائيات ومنطقها التبسيطي، أنها مهينة للذكاء وتغلق الباب أمام أي اجتهاد مغاير خارج منطق «نحن وهم»، «معنا أو ضدنا».

وعلى الضد من هذا المنطق، أرجوكم أن تنسوا أن هذا كله طارئ استجد في السنوات القليلة الماضية، بفعل الاحتلال الأميركي في العراق أو الصراع الإقليمي والتدخلات الخارجية. هذه أسهمت في دفع منطق الثنائيات إلى حدوده القصوى وعملت على ترسيخه، لكن ثمة تربة خصبة وتفكيرا متأصلا يميل للثنائيات، على حساب التفكير المستقل والتحليل والاجتهاد.

فقبل عقدين وأكثر، كنا نكتب مقالاتنا بنفس منطق «إثبات حسن النية». كان الإحساس نفسه سائدا بأن علينا أن نثبت أولا أن النقد الذي سنسوقه في عبارات لاحقة للمقدمة، لا يثبت علينا تهمة من نوع ما: معارض مثلا، أو ذو نوايا سيئة أو «ليس معنا».

كان يتعين علينا إثبات حسن النية أمام المسؤولين قبل أن نوجه نقدا بسيطا، واليوم يتعين علينا أن نفعل هذا مع بعضنا البعض.. وتعالوا الآن لنتساءل: «لماذا تبدو حياتنا ثقيلة الوطأة إلى هذا الحد؟».

منطق الثنائيات هذا الذي يحكمنا، أودع فينا توترا مكتوما يلازمنا دوما، فأصبحنا نتعامل مع بعضنا، حتى قبل المصافحة أو التحية، بأفكار ومشاعر مسبقة ومنمطة، فافتقدنا التلقائية وحسن النية.

كاتب وصحافي بحريني