المشهد الإعلامي العربي يتوقع منه أن يكون أكثر مهنية وأكثر أخلاقية، بما يملك من مخزون هائل من القيم الإنسانية والضوابط الأخلاقية، بحكم أن أرضه هي منبع الحضارات الإنسانية، ومهبط الرسالات الدينية الداعية لكل ما هو خير وحق وعدل وأمين ومسؤول وصادق، ولكل ما يدعو إلى التوحيد والحب والسلام، والمحذرة من كل ما يروج للشر والظلم والكذب وخيانة الأمانة واللا مسؤولية وإثارة الفتن وإشاعة الفرقة والكراهية والاضطراب.

فمازالت في أسماعنا كلمات نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.. «آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان»، وربما كان أشدهم نفاقا هو من إذا خاصم فجر، كما لا يزال في أسماعنا قول سيدنا علي كرم الله وجهه: «لا قرين شرٌّ من الجهل، ولا سوءة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا حسب أبلغ من الأدب، ولا نسب أوضع من الغضب».

ومع ذلك فالساحة الإعلامية لا تخلو من شهود الزور أو من المنافقين عن غرض أو مرض.. فبعض تلك الوسائل غير السوية لا تعيش إلا على الإشاعات وإلا على الإثارة، إشاعة الكراهية وإثارة الفتن، وإلا بصب الزيت على النيران.. وبدلا من كلمة صادقة أو طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تخرج منها إلا كلمات خبيثة أو كاذبة لا أصل لها ولا أصالة، ولا جذر لها ولا فرع!

من هنا قالوا: «آفة الأخبار رواتها»، فبينما الأصل في الرواة في وسائل الإعلام السوي أن يكونوا عارفين وصادقين وأمناء، وأسوياء، وموضوعيين، غير منحازين طمعا، وغير صامتين خوفا، وغير معرضين جهلا وغير منصفين مرضا، موحدين للصفوف لا مفرقين، مانعين للفتن لا في النيران نافخين، للحق والعدل منحازين، لا تحركهم الخصومة ولا يدفعهم الغضب لكي يكونوا شامتين أو شتامين أو غير عادلين، للزيف والظلم مناهضين، وللفساد ملاحقين، وللحقائق كاشفين.

فوظيفة الإعلام الحقيقية هي الإخبار عما يهم كل الناس من أحداث وتطورات وبما يفيد عموم الناس من أخبار وآراء، بالإجابة الكاملة عن الأسئلة الخمسة المعروفة (من، ماذا، متى، أين، لماذا؟)، بشرط رواية الوقائع بالحق والحيدة والصدق، وعرض الصورة من زواياها الأربع، ودون قلب للحقائق أو تهوين أول تهوين، بتكبير الصغائر وتصغير الكبائر.

والأصل في النشر هي استهداف إعلام الناس بجوانب الخير في المجتمع وفي العالم والحض عليه، والعلم بجوانب الشر والتحذير منه، بنشر ما يصلح النفوس ويوحد الصفوف وإشاعة الإصلاح والخير، لا إشاعة الإفساد والشر، وإطفاء الفتن لا إشعال الحرائق.. لكن المشهد الإعلامي لا يخلو من بعض الإعلاميين غير الأسوياء الذين يريدون جنازة ليشبعوا فيها لطما، أو من بعض السياسيين غير المسؤولين الذين يشعلون حريقا ليشيع فيه هؤلاء الإعلاميون إثارة للنيران!

الإعلام السوي هو الصادق في القول والأمين في الأداء، والعادل في الغضب والرضى، وإن كنا لسنا بحاجة لمدونة سلوك هي بين أيدينا، لكن يبدو أننا جميعا بحاجة لمراجعة النفس وضبط السلوك.. أقول هذا لنفسي قبل غيري، فهناك مقولة تقول: «إن معلم نفسه، أولى بالتقدير من معلم الناس جميعا»..

mamdoh77t@hotmail.coma