قد كثرت في العالم وخلال السنوات الأخيرة وسائل الإجرام المتعلقة بالتعاملات المالية، وتعددت هذه الوسائل بحيث يصعب على غير المنتبه جدا والملم بالقوانين أن يميز بين الصحيح والشريف، في مقابل الكذب والتمويه.
وساهمت الوسائط الحديثة كالانترنت والهواتف النقالة في جعل عمليات الاحتيال تتخذ سبلا متنوعة ومداخل ملتوية ترى من الوهلة الأولى زاهية وطيبة، وسرعان ما يكشف الوقت أن الأمر ما هو إلا سراب وخداع.
من حق الإنسان أن يفكر في الربح وأن يزيد ماله عبر الوسائل المشروعة التي أقرها الدين وأجازتها القوانين والتشريعات، ولكن يجب ألا يمضي الفرد بعجلة تجاه أي بريق وامض على أنه ما سيحقق له الثراء المهول والغنى، ومن الحكمة أن ندرك أن الحياة لها سننها فلا شيء يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها ولا يمكن أن يقفز الإنسان فجأة إلا بـ "قوة خارقة" وهو أمر مستحيل.
فسنن الله في الأرض وقوانين الحياة والنظم المالية معروفة، وكل شيء يتم بالتدرج وبالصبر والتأني والدراسة، لذلك فإن الذين يستجيبون للأوهام العابرة عليهم الحذر والحيطة والانتباه وعدم التعجل. خاصة أن المتاجرين بمثل هذه الأوهام الكاذبة يحاولون استغلال جهل بعض الناس للقوانين الاستثمارية ولكيفية إدارة المال ودولابه الطبيعي، كذلك يستغلون اللهفة الطبيعية في "بني آدم" ورغباته التي لا تنتهي في المزيد من الثراء وكنز المال، إلا لمن أوتي الحكمة وأدرك أن المال بقدر ما هو نعمة إلا أنه نقمة، وعليه أن يوظفه بالشكل السليم وأن يفيد منه مجتمعه كما يفيد نفسه.
قبل يومين أشار الادعاء العام في بيان نشر في الصحف المحلية إلى كشف حادثة جديدة لمحفظة استثمارية كاذبة جمعت ما حصيلته 26 مليون ريال من المخدوعين الذين استثمروا فيها عن حسن نية ليجدوا أن النتيجة خداع وكذب. وقد كانت قبلها حادثة أخرى تم الحكم فيها مؤخرا.
وقد أبان الادعاء العام أن على الناس أن يفرقوا بين توظيف الأموال من ناحية مبدئية فهو فيه خير ومنفعة وفائدة وأفضل من تعطيل الأموال دون استثمار، وبين تركها في أيدي من يعبثون بها ويستولون عليها عن غير وجه حق، وبأساليب مموهة، وهذا ما يتطلب من المستثمر لماله أن يتوخى الحذر وأن يدرس الوضع بشكل جيد وألا يقع أسير الإغراءات الحالمة.
وننقل هنا مناشدة الادعاء العام للجميع لمحاربة "وباء الاستثمارات الكاذبة" الذي لا يشبه عاداتنا الأصيلة وقيمنا، وأن نحارب هذا يعني أن نلتزم بالقنوات المضمونة للاستثمار وأن نسأل لكي نفهم وألا نغتر بمجرد الشخوص أو الأسماء البراقة حيث لوحظ أن هذه المحافظ كانت تطلق أسماء براقة تحاول بها جر أصحاب الأموال للاستثمار الكاذب فيها. يوصف الادعاء العام هذه الاستثمارات على أنها من النوع الدخيل على المجتمع العُماني وهي مجرد وهم وأضغاث أحلام،
ليس لها أساس ولا نظير على أرض الواقع إلا في مخيلة أصحابها الذين سعوا إلى الاستيلاء على أموال الضحايا بطريقة محكمة ومحبوكة، وبأساليب لم يعتد عليها المواطن العماني. ويمضي للتوضيح: إمعاناً في الخداع والتمويه أطلق المتهمون على تلك الاستثمارات الوهمية أسماء لامعة حتى ظل بئرُ تلك الاستثمارات مجهولاًً لا قاع له ولا يعرف أصحابه الذمة والأمانة غير مدركين حقيقة آثار أفعالهم لالتهامهم لتلك الأموال برضا وعين قانعة، إلى أن وصلت حصيلة هذه الأموال إلى ما وصلت إليه.
أخيرا ما يمكن أن يلخص الأمر هو أن على كل من يرغب في استثمار أمواله أن ينضم إلى الاستثمارات المرخصة تحت غطاء الرقابة الحكومية، وألا ينساق إلى الوهم والحلم بالثراء السريع، وأن يدرك أن كل أمر يتم خطوة بخطوة. فتوظيف المال واستثماره فيه خير للفرد وللمجتمع والأسواق بشرط أن يكون ذلك وفق ما أقرته القوانين والتشريعات دون أي خداع أو تمويه أو كذب على الناس.
