بعد أن انتهيت من حضور بعض فعاليات «أصيلة»، صيف العام الماضي، استأذنت مضيفنا القدير الأستاذ محمد بن عيسى كي أغادر، وفق المتفق عليه مع رفيق السفر الصديق جمال الشحي، إلى إسبانيا. كانت الخطة أن نستأجر سيارة ونطوف بها جنوب إسبانيا، من ملقا إلى غرناطة ثم إلى مدريد.
وكان لرحلتنا الموعودة هدفان: الأول: اكتشاف بعض معالم الحضارة العربية في جنوب إسبانيا كي نزيد من قاموس «كان وكنا وكنا وكنا» العربي، أو بلغة جمال الشحي:
«نبحث عن أجدادنا في غرناطة»، وهدف ثان آمل ألا يسجل ضدي خاصة في مدينتي الأنيقة دبي، وهو قيادة السيارة بسرعة أتوق لها في ظل حصار رادارات السرعة المنتشرة في كل ركن وزاوية من شوارع دبي! هنا اعتراف: فأنا من هواة القيادة السريعة «الآمنة» ولكن ـ ويا لحسن الحظ ـ أين المفر من رقابة شرطة دبي وراداراتها؟
ها نحن نوشك أن نغادر أصيلة حتى نقع في مطب جميل اسمه عثمان العمير. أقسم عثمان أن من لم يزر مراكش لم يزر المغرب أبداً! وزيادة في الإغراء، اقترح عثمان أن نسافر براً إلى مراكش كي نرى الطبيعة المغربية على الطريق ونستمتع بوقفة قصيرة في الرباط. رمى عثمان فكرته علينا ثم تركنا ورحل إلى أوروبا. نظرت إلى جمال وإذا به يهز رأسه إعجاباً بالفكرة ولسان حاله يقول: سنزور مراكش ثم اسبانيا.
أي: عصفورين بحجر واحدة! بالنسبة لي، كان السفر براً، في المغرب أو في أسبانيا إغراء جميلا، فقد اشتقت للهرب قليلاً من زحمة المدن وإشاراتها وضجيجها.
أقنعت نفسي أن متعة الطريق إلى مراكش لن تقل عن متعة اكتشاف مكان جديد مثل مراكش. لكن لهيب الصيف في مراكش ورفقة جمال الشحي، جعلا الطريق من أصيلة إلى مراكش أكثر متعة من إقامتنا القصيرة في مراكش.
في الطريق الطويلة إلى مراكش، حاولت أن أستمتع بالمناظر الجميلة على ضفتي طريقنا الأنيقة، من مزارع وقرى صغيرة على مد البصر. دهشت بالطريق وحسن خدماته. أعجبت بنظافة محطات الوقود على الطريق ومرافقها من مطاعم ومقاه ودورات مياه. كان سائقنا المغربي يبدو مندهشاً بملامح الإعجاب على وجهينا، وكأنه يتساءل: معقولة؟ قادمان من حيث آبار النفط في «الخليج» ويعجبان بخدمات الطرق في المغرب؟
رويت لصديقي جمال هذه الحكاية: قبل قرابة عقدين كنت طالبا في جامعة الملك سعود بالرياض. جاءنا مسؤول كبير وحدثنا عن التنمية في بلادي، والفارق الضخم بيننا وبين الآخرين في العالم العربي. اقترح المسؤول على من يشكك منا في كلامه أن يذهب في الصيف ويزور بعض البلدان العربية المجاورة، كي يرى بنفسه الفارق التنموي «بيننا وبينهم».
وكنت وقتها أتساءل: كيف لكثير منا أن يسافر وهو يتقاسم مكافأة الجامعة مع أهله من أبناء الخال والعمومة؟ وكيف لأكثرنا وقتها أن يخطط لزيارة بلدان عربية قريبة أو بعيدة، ونحن حينها نعد الأيام والليالي كي نظفر برؤية الوجوه المنتظرة طويلاً لقدومنا في الصيف؟
لعله من سوء حظ مسؤولنا الكريم، صاحب فكرة زيارة البلاد العربية المجاورة كي ندرك «نعمة» ما نحن فيه، أن البعض منا اليوم يزور بلدانا عربية قريبة وبعيدة ويشهد فارقاً كبيراً في «التنمية» لصالح بعض البلدان ذات المداخيل المحدودة، فوارق واضحة في خدمات الطرق والقطارات والمطارات والموانئ!
ها أنذا اليوم أبوح بأمنية لصديقي جمال: ليتني أستطيع توجيه النصح لذات المسؤول الموقر: هل يسافر معاليكم اليوم لبعض البلاد العربية ـ بما فيها غير النفطية ـ كي تشاهد بنفسك الفارق الكبير في نوعية الطرق وخدماتها ونظافتها؟ هل لك أن تسأل ـ بضمير المسؤولية ـ لماذا صرنا نطلق على أغلب طرقنا الرئيسية وصف «طريق الموت»؟
وكم هو عدد ضحايا «طريق الموت» الذي هو في الغالب كل طريق نسلكه اليوم في بلادنا؟ هل يجرب معاليكم القطار بين المدن المغربية أو يسافر جواً كي ترى الفوارق بين مطاراتنا ومطاراتهم؟ لعلي نسيت أن أذكر معاليه بأن مطاراتنا التي أقصدها هنا ليست «الصالة التنفيذية» وما شابهها بسرعة البرق، اقترح جمال أن أسكت وأتأمل جمال الطبيعة على ضفتي الطريق ففعلت!
كاتب ومستشار إعلامي