أخذني الحديث مع أحد الأصدقاء لموضوع أهمية الفتوى ودورها في حياة الناس الاجتماعية والسياسية ولربما الاقتصادية. بل ان البعض قد أصبح في حياته العامة والخاصة حبيس ذلك الأمر، لا يستطيع أن يقوم بشيء حتى يستطلع في ذلك أحداً من أصحاب الفتوى.

ورغم أن الإفتاء له شروطه ومتطلباته وضوابطه في الشخص المناط به عملية الإفتاء هذه إلا أننا بتنا في الفترة الأخيرة غارقين في بحر من الفتاوى المتناقضة والمتضاربة والتي قد يكون بعضها مبنياً على أسس عقلية واضحة إلا أن بعضها الآخر قد صدر عن أنصاف أو أرباع العلماء وقد يكونوا من معدومي المعرفة الدينية إطلاقاً.

ويحدثني صديقنا هذا إلى أن أحد العاملين معه في الحقل التربوي قد نقل له فتوى جديدة تحرم أكل الأجبان الاسترالية المعلبة لأنها تصنع كما يقول ناقل هذه الفتوة من «منفحة» البقر وهذه الأبقار لا تذبح ذبحاً إسلامياً!! وبالتالي فإن نتاجها في جله ليس حلالاً، أي أن فعل التحريم قد وقع على هذه الأبقار على افتراض أنها سوف لا تُذبح فيما بعد ذبحاً إسلامياً. ولا أدري إن كانت هذه الفتوى تشمل نتاجات مصانع الأجبان الأسترالية المنتشرة في بعض الأقطار الخليجية والإسلامية.

ولم يكتف صديقنا هذا بذلك بل واصل حديثه قائلاً ألم تسمع بالفتوى التي تحرم أكل الأسماك الخالية من «الصفط» أي الأسماك التي لا تحمل على جسمها فلساً. وكنت مهتماً لأن أعرف ما إذا كانت عملية التحريم هذه تشمل بعض الأسماك التي يحب أهل الخليج أكلها كالصافي والجنعد والربيب والحمام والزبيدي وغيرها. وقلت مازحاً إن كان الأمر كذلك فإننا لا بد أن نبحث من يشرعن لنا أكل الأجبان والأسماك.

وذهبت في حديثي مع صديقنا هذا قائلاً ان الإفتاء كما أعرفه فعل فقهي في غاية التعقيد ويتم وفق ضوابط معينة وليس ميسراً لأي من رجالات الدين. وهو في هذا ليس فعلاً مطلقاً.

بمعنى أن ما قد يتيسر للقائم بفعل الإفتاء هنا قد لا يتيسر لآخرين هناك. كما أن الفضاءات الثقافية والاجتماعية ولربما السياسية والاقتصادية هي الآخر تحكم الفعل الإفتائي. كما أن فعل الإفتاء رغم كونه فعلاً دينياً خالصاً إلا أننا لا يمكن أن نفهمه إلا في إطار السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي صدر عنه.

بل يمكن القول ان السياق السياسي قد بات مشكلاً الكثير من عمليات الإفتاء. وكلنا يتذكر فتوى محمد حسن الشيرازي المحرمة للتبغ في إيران في أواخر القرن التاسع عشر(1891) والتي أدت إلى إفلاس الشركات البريطانية المتاجرة بالتبغ والتي مثلت غطاء التغلغل البريطاني في إيران، والتي كانت فعلاً سياسياً خالصاً رغم كونها تحمل مضموناً وعنواناً دينياً. كما أن بعض الأحزاب الدينية قد تحتاج أحياناً لكي تحرك فعلها السياسي لإفتاء دينياً ـ سياسياً تبرر بها فعلها أو موقفها السياسي الجديد.

ودعوى حديثنا عن الإفتاء هنا هو هذا اللغط الذي ساد بين فصائل الإسلام السياسي الشيعي في البحرين على أثر موافقة نواب جمعية الوفاق على قانون يعطي النائب في البرلمان حقاً في راتب تقاعدي يكون في حده الأدنى 50% من الراتب الأساسي بعد خدمة أربع سنوات في البرلمان و80% من راتبه الأساسي بعد أن تتجاوز خدمته في البرلمان الثماني سنوات.

وقد وظفت القوى المعارضة لذلك وغير الممثلة في البرلمان قولاً للشيخ عيسى قاسم أحد مشايخ الدين الشيعة المؤثرين في التجمعات السياسية الشيعية وتحديداً جمعية الوفاق الوطني الإسلامي. والذي اعتبر فيه إعطاء النواب راتباً تقاعدياً هدراً للمال العام ومدعاة للصراع بين الناس. إلا أن جمعية الوفاق قد بررت موافقتها على هذا المشروع وبكلمات الناطق باسمها بعد التشاور مع الشيخ عيسى قاسم الزعيم الروحي لجمعية الوفاق.

وقد اندفعت قوى المعارضة الشيعية الأخرى وهي قوى أقل حضوراً في الشارع إذا ما قورنت بجمعية الوفاق: كجماعة حق المعارضة وجمعية العمل الإسلامي (أمل) في شجب موقف الوفاق المؤيد لقانون تقاعد النواب وهو الأمر الذي أخذ منحى تشنجياً في بعض حالاته وكاد الأمر أن يقود لصدام ولربما عراك بين هذه الأطراف المختلفة.

وقد اندفعت قوى أخرى لاستطلاع رأي المرجع الديني الشيعي الأعلى على السيستاني، والذي أفتى بجواز تقاضي النواب راتباً تقاعدياً. (جريدة الوقت 4/7/2009). والذي كما يبدو فإن رأيه قد يكون مجمداً لفعل الصراع إلا أنه ليس مجمداً لفعل توظيف الإفتاء في العمل السياسي. فالإسلام السياسي الشيعي قد خبر في السابق الحاجة لإفتاء يدله في ذلك على طريق المشاركة من الممانعة في الانتخابات البرلمانية الأولى في عام 2002.

فأمام حدة الصراع بين الراغبين والرافضين فإن هذا، قد دفع البعض للبحث عن فتوى تدلهم على خريطة للطريق من العراق أو لبنان ولربما قم. وأتذكر حينها كيف أن البعض قد بحث عن فتوى ما تحل حالة اللا قرار الذي اتسم به الوضع في ذلك الوقت.

وقد يتفق أو يختلف الناس في أمر الفتوى ولكنها تبقى في هذا رغم طابعها الديني فعلاً سياسياً واضحاً، فهي في هذا تعالج حالة سياسية تقيم من حيث مدخلاتها ومخرجاتها أو المكاسب والخسائر السياسية وليست من حيث المعطى الديني لها.

ورغم تفهمي لفعل الإفتاء الديني وكذا يمكن القول عما قد نسميه بالإفتاء السياسي، إلا أن فعل الإفتاء بشكل عام يضفي قدراً من الشرعية على القرار أو السلوك ولربما على الخطاب السياسي المؤيد والمعارض، بل انه في بعض حالاته يعين المتردد على اتخاذ قراره ولو كان مكرهاً. وبالتالي فإنه يضفي قدراً من القوة لمن يتسلح به في مواجهة الآخر الخالي من شرعية الإفتاء.

والإفتاء كفعل لا يمارسه رجال الدين فحسب وإنما تمارسه الجماعات والطوائف والأنظمة السياسية ولربما المؤسسات. فكل هذه الجماعات والنظم توظف الإفتاء بأشكاله ومسمياتها المختلفة لتعضيد موقفها أو مواقفها قبالة الآخر أو قبالة المجتمع. وهو فعل يضفي قدراً من القوة وبالتالي الشرعية في مجتمعات يشكل فيها الدين أحد أهم ركائز الشرعية السياسية ليس فيما يتعلق بالنظام السياسي فحسب وإنما لكل القوى والجماعات السياسية الأخرى المنضوية في إطار الدولة أو الخارجة عليها.

وهو موقف لا يقف فحسب عند السياسة وإنما يتغلغل في عصب العمل الاجتماعي والاقتصادي الجديد. ويفسر ذلك اعتماد الدول والمؤسسات المالية الإسلامية والجماعات السياسية وغيرها على ترسانة من الخبراء القانونيين ورجال الدين ليضفوا بفتواهم قدراً من الشرعية والقبول المجتمعي العام.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com