ربما يساعدنا على الإجابة عن كثير من علامات الاستفهام المحيرة وعلامات التعجب الحائرة التي طرحناها بالأمس، ما أظهرته نتائج استطلاع جديد للرأي في ألمانيا نشره موقع «دويتشه فيليه» الإعلامي الرسمي، من أن غالبية المواطنين الألمان تساورهم شكوك في إمكانية التعايش السلمي المشترك بين الغرب والإسلام.
وتظهر النتائج انخفاض مستوى ثقة الألمان بالمسلمين الذين يعيشون في ألمانيا وأغلبهم من المهاجرين. وتأتي هذه النتائج رغم كل الجهود التي يبذلها الطرفان للتوصل إلى تفاهم بين الثقافتين، وإيجاد قاعدة مشتركة للعيش بسلام.
ويشير استطلاع أجراه معهد ألينسباخ لدراسات الرأي العام نشر يوم 17 مايو الماضي، إلى أن 56% من الألمان يتحدثون عن تواجد «صراع بين الثقافات»، وأن 60% يتوقعون حدوث توترات بين المواطنين الألمان والمهاجرين المسلمين «عاجلاً أم آجلاً».
وما يثير القلق من ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في ألمانيا، هو أن 40% ممن أُجري عليهم الاستطلاع يرون أنه ينبغي الحد من ممارسة الديانة الإسلامية وشعائرها، بينما لا يثير التفاؤل سوى أن 60% من الألمان قرروا في هذا الاستطلاع أن الخطورة لا تكمن في الإسلام نفسه، بل في بعض الإسلاميين المتطرفين سياسياً.
في ظل هذا المناخ العنصري، السياسي المقلوب والثقافي المسموم في أوروبا ضد قيم وحقوق العرب والمسلمين الدينية والإنسانية والوطنية المعتدى عليها، سواء في أوروبا باعتبارها أحد حقوق «المواطنة» التي يبشرون بها، أو في أوطانهم باعتبارها إحدى «حقوق الإنسان» التي يتاجرون بها، ويميزون فيها بين حقوق الإنسان الأوروبي الأبيض وحقوق الإنسان الأفريقي الأسود، أو حقوق الإنسان الفلسطيني المهدورة وحقوق الإنسان الإسرائيلي المنظورة!..
فإن ما يثير قلقنا أكثر في جريمة قتل الدكتورة «مروة الشربيني» بيد قاتل ألماني متعصب، ب17 طعنة سكين في داخل المحكمة الألمانية، هو أن هذه الجريمة العنصرية ليست هي الأولى، وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة. فقد شهدت ألمانيا مؤخرا اعتداءات متعددة على أجانب ذات طابع عنصري، من قبل عناصر يمينية متطرفة. هذه الحوادث هزت المجتمع الألماني وسببت إحراجا كبيرا لألمانيا أمام العالم!
فقد أظهر تقرير لمكتب حماية الدستور الألماني، وقوع 1047 جريمة عنف ارتكبها متطرفون يمينيون عام 2006، أي بزيادة 3, 9% عن العام السابق له، وأن إجمالي الجرائم ذات الدوافع السياسية التي ارتكبها اليمينيون قفز بنسبة 6, 14% ليصل إلى 17597 جريمة هزت المجتمع الألماني، مما دفع منظمات مدنية وأحزابا ألمانية لاتهام حكومتهم بعدم التصدي الكافي للتطرف اليميني «النازي الجديد»!
ليبقى السؤال مجددا لدعاة حقوق الإنسان.. بأي ذنب قتلت «مروة»؟.. وكيف يمكن لبلد أوروبي متحضر قبول قتل إنسانة، فقط لأنها اختارت أن تكون مسلمة أو لأنها اختارت أن تغطي رأسها؟!
والفارق بين رؤية مروة ورؤية من قتل مروة بغير ذنب، أن اختيارها لعقيدتها هو تعبير عن حريتها، وأن ارتداءها للحجاب في عقيدتها تعبير عن كرامتها، وفيما تحترم ذاتها تحترم حرية اختيار الآخر، بينما يرى غلاة المتطرفين العلمانيين العكس، وأن اللادينية هي ممارسة للحرية، وأن تعرية المرأة أو تسليعها هو رمز لحريتها، لكنهم فيما يمارسون حريتهم، يحرمون الآخر من ممارسة حريته، وبينما يحترمون حريتهم لا يحترمون حرية الآخر!!