هل تتصور عزيزي القارئ مدينة القاهرة بدون أحد أشهر معالمها، سيارة الأجرة المشهورة بقدمها ولونها الأبيض والأسود، وصوت «زمورها» المتكرر، وسائقيها الذين يمثلون طبقة معروفة ببساطتها وحاجتها لهذا العمل..
ولكن ما قررته الحكومة المصرية في الفترة الأخيرة من تبديل سيارات الأجرة القديمة إلى أخرى جديدة، وإعطاء مميزات لمن يقدم مركبته القديمة ودفع خمسة آلاف جنيه مصري، وإعفاء مهم من الرسوم الجمركية على السيارة الجديدة مع القيد والتسجيل في المرور..
هذا القرار جاء في وقت تقول فيه الحكومة بضرورة تبديل السيارات القديمة بأخرى جديدة، ولكن هذه القتيلة المسكينة التي سوف تذبح على أكتاف من عاش على دخلها لعدة سنوات طالت أو قصرت، ولكنها بقيت أحد أهم معالم القاهرة التي اعتدنا على استخدامها كلما قمنا بزيارة القاهرة، ولا نتصور شوارعها بدون أن نشاهد أهم المعالم، وهل لك أن تتصور القاهرة بدون الأهرامات؟ أو بدون تمثال رمسيس في ميدان التحرير؟
أو بدون جامعة الدول العربية؟ أو بدون نهر النيل؟ أو مراكبها التي تتهادى على صفحات النهر في الليل والنهار؟ أو لا تسمع صوت أم كلثوم أو صوت عبد الحليم حافظ؟ أو لا تتصور شوارع القاهرة بدون زحمة السير أو زحمة الناس في أغلب أوقات اليوم الواحد؟
قد يقول البعض إن هذا من باب التطور والتحديث الذي سوف يطال كل شيء، ولكن لسيارات الأجرة القديمة في موديلاتها أو سنوات صنعها، نكهة خاصة عندما تستقلها، مع بساطة سائقها الذي يرحب بك ويحاول الفوز بركوبك معه، ويتحدث معك عن أحواله وأحوال سياسة البلد، لتفاجأ عدة مرات بوقوف السيارة التي اختفت معالم صناعتها حتى لا تكاد تعرف نوع السيارة وأين صنعت.
ولكنه يقول لك: لا تخف «سوف أديها زقة وتمشى»، وتسمع مع عدوية وهو يقول «زحمة يا دنيا زحمة»، أو المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم (شعبولا) أو أي من المطربين الشعبين، وهذا السائق ليس بسائق تاكسي فقط، بل هو مرشد سياحي سوف يعرض عليك خدماته في هذا المجال، ويثبت لك أنه لديه خدمات أخرى لا تحدها سيارات الأجرة.
مسكينة سيارات الأجرة القديمة التي تميزت بها القاهرة، وجالت بشوارعها وأزقتها وحواريها آلاف الكيلومترات وعشرات السنين، وتعاقب عليها آلاف السائقين، وإن كان قد مضى على صنعها أكثر من ثلاثين عاماً، ولكن في الأخير حالتها جيدة ولديها تكييف وتجوب الشوارع، تارة ببطء وتارة بسرعة، ولكنها في الأخير توصلك لجهتك وأنت مبسوط وتضحك، حتى لو كانت وجهتك إلى الإسكندرية أو الساحل الشمالي.
وأنت تدفع أجرة التوصيل بالسيارات الجديدة، التي قد ترتفع أجرتها بعد تغيير السيارات، وحتى لو بقيت بسيطة كما كانت، فانك لن تشعر بنفس نكهة وجو القديمة، أو لن يكون صاحبها بنفس البساطة لأنها سوف ترهقه بسعرها المرتفع، وأجرتها سوف تتغير وقد لا تستطيع ركوبها الأغلبية من الطبقات المتواضعة أو الفقيرة..
ومهما كانت مبررات الحكومة فإن طرح الموضوع للاختيار هو الأنسب، ولمن يريد التعبير عن رأيه وتترك له الحرية في الاختيار، ولكننا لا نتصور أن القاهرة في عام 2012 سوف تخلو من أهم معلم أحببناه وتعودنا عليه، ومهما كانت سلبياته فانه يبقى هو شعار المدينة التي تميزت في أغلب حقبها التاريخية بمعالم أضفت عليها الجمال والرونق والبساطة..
إننا لسنا ضد التغير، ولكن للمعلم التاريخي ميزة لا يشعر بها إلا من تعامل وأحب هذا المعلم، سواء كان في الوجوه أو الأبنية أو السيارات أو الشوارع أو الأسواق الشعبية، أو التنزه على ضفاف النيل في المساء الجميل لهذه المدينة التي كلما زرتها تكتشف أنك ما زلت لا تعرف عنها إلا البسيط واليسير، وأنك لا بد أن تحتك بشعبها إذا كنت تريد معرفة المزيد..
وهذا في رأيي سوف يكون من أول ما يستقبلك في المطار من قبل سائقي سيارات الأجرة الذين يستقبلونك بكل حفاوة وترحيب، لتشعر حينها بأنك وضعت رجليك على أول سلم نجاح رحلتك التي لن تنساها مهما تعاقبت السنين، أو حتى تقوم بزيارتها مرة أخرى، وربما مرات..
لن تقول وداعاً لسيارات الأجرة في مصر، أو لمن سوف ينتقل للتقاعد بعد خدمة ثلاثين أو أربعين عاماً، ولكن نقول اصمدي.. ولك منا التحية والتقدير.
كاتبة إماراتية
