بعد ستة أشهر من الرئاسة التشيكية «الفاجعة»، حسبما وصفها كُثر في المفوضية الأوروبية في بروكسل، تتولّى السويد اعتبارا من مطلع شهر يوليو الجاري وحتى نهاية هذه السنة، رئاسة الاتحاد الأوروبي. هذه الرئاسة الأوروبية هي بالتناوب بين بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 كل ستة أشهر تبعا لجدول محدد مسبقا.

ستكون المهمّة الأولى على الرئاسة السويدية هي جعل الأوروبيين، وغير الأوروبيين، ينسون الرئاسة التشيكية، وينسون أن الرئيس التشيكي فاكلاف كراوس المعروف عنه أنه «غير أوروبي النزعة والهوى»، كان قد شبّه الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفييتي السابق وأنه رفض، حتى الآن، رفع العلم الأوروبي فوق القصر الرئاسي في العاصمة براغ.

وعلى الرغم من عدم امتلاك رئاسة الاتحاد الأوروبي لأية سلطات تنفيذية على غرار تلك التي تمتلكها الدول، فإنها تقدّم مع ذلك للبلدان التي تتولاها الفرصة كي تدفع إلى واجهة الاهتمام الأوروبي بعض الملفات التي تعتبرها من أولوياتها. والأولويات السويدية بالنسبة لأوروبا هي الدفع باتجاه أن تكون أكثر اهتماما بالبيئة، وأكثر حزما في مجال السيطرة على الإنفاق العام، وأكثر تمسّكا بالبعد الاجتماعي وأكثر انفتاحا على العالم.

للتذكير كان السويديون قد أقبلوا بأعداد كبيرة على صناديق الاقتراع في الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي جرت في 7 يونيو الماضي، وذلك بنسبة 5, 45 بالمئة، مقابل 8, 37 بالمئة عام 2004.

لم تكن تلك الزيادة بسبب زيادة اهتمامهم بالاتحاد الأوروبي، ولكن على خلفية قناعتهم أن أوروبا هي التي تقترب من «موديلهم». «الموديل» السويدي الذي كان مضرب الأمثال بتقدمه وعدالته الاجتماعية في أوروبا وغير أوروبا، خلال سنوات الحرب الباردة.

الطموحات السويدية خلال فترة ترؤسها لأوروبا كبيرة، ولكن التحديات كبيرة هي الأخرى. إنهم يريدون الدفع نحو التقدم في الملف الخاص بحماية البيئة وتقليص نسبة الغازات السامة ذات المنشأ الصناعي، ولكن لا يكفي أن يتفق الأوروبيون على ذلك، فهناك العالم الآخر وخاصة الولايات المتحدة والصين.

ويريد السويديون موقفا أوروبيا موحّدا في ما يخص المعالجة الأوروبية للأزمة المالية العالمية الراهنة الضاربة، بل ويرون أن «ساعة إعداد استراتيجية للخروج من هذه الأزمة قد دقّت».

«استراتيجية مشتركة»، وليس أن يفعل كل بلد أوروبي على هواه. لكن الرؤية الفرنسية تخالف تماما رؤية الرئاسة السويدية حول هذا الملف عندما ترى المخرج في تبنّي سياسة مالية حازمة والعودة إلى الرقابة على عجز الميزانيات، بينما يعتبر الرئيس نيكولا ساركوزي أن أية سياسة تقشّف تعني إنهاء كل المؤشرات حول نهوض اقتصادي محتمل في النصف الأول من عام 2010.

والسويديون لهم رأيهم ورؤيتهم بالنسبة لمستقبل المؤسسات الأوروبية. فمن المفترَض أن يتم التصديق على اتفاقية لشبونة ـ الاتفاقية الدستوري الأوروبية المبسّطة التي حلّت محل مشروع الدستور الأوروبي السابق المجهَض ـ في الخريف القادم. هذا التصديق يواجه الكثير من الصعوبات التي كان آخرها قرار «المحكمة الدستورية الألمانية» بتعليق عملية التصديق عليها بسبب «خلل ديمقراطي بنيوي» في آليات تبنّيها.

والأيرلنديون مدعوون للموافقة عليها أو رفضها عبر استفتاء شعبي عام جديد ستكون نتيجته، باتجاه الموافقة تحديدا، ذات مفعول حاسم بالنسبة لمستقبلها في ظلّ مطلب ضرورة حصولها على «الإجماع» كشرط ل«مرورها».

وللسويديين مواقف متباينة، إن لم تكن متعارضة تماما، بالقياس إلى مواقف دول أوروبية أساسية مثل فرنسا وألمانيا، حيال عدد من ملفات السياسات الخارجية. وليس أقلّها شأنا مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وكان وزير الخارجية السويدي في غاية الوضوح عندما قال في مقابلة أجرتها معه صحيفة «الفيغارو» الفرنسية بتاريخ 26 مايو الماضي ما نصّه: «إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تركيا كي يكون له وزنه في العالم».

وأضاف: «بوجود تركيا داخلها تستطيع أوروبا أن تكون عاملا هاما في الوصول إلى مصالحة مع العالم الإسلامي. ثمّ إذا كنا نعتبر أن قبرص هي جزء من أوروبا بينما هي جزيرة قريبة من الساحل السوري، فإنه من الصعب عدم اعتبار أن تركيا هي أيضا جزء من أوروبا».

لم تمر تلك المقابلة بدون آثار. فمباشرة أعلنت باريس عن تأجيل «زيارة دولة» كان من المقرر أن يقوم بها الرئيس ساركوزي إلى السويد في الثاني من شهر يونيو الماضي. كان التأجيل لأسباب تتعلق ب«الجدول الزمني» للرئيس الفرنسي «رسميا» وبسبب تلك المقابلة واقعيا، ففرنسا وألمانيا أيضا تدعوان إلى «شراكة متميّزة» أوروبية ـ تركية، كسقف أعلى. إنه «خلاف راديكالي» مع السويد، كما يقال في قصر الإليزيه بباريس.

وتباينات أخرى عديدة، طفيفة أو عميقة أحيانا، بين السويد ودول أوروبية أخرى حول جملة من القضايا. لكن رغم هذا كله عرف الأوروبيون كيف يمارسون بنجاح حتى الآن درس البحث عمّا يتفقون حوله لدفعه إلى الأمام، ونقاش ما لا يتفقون حوله بحثا عن إمكانية تجنّب الطرق المسدودة؛ والرئاسة السويدية لأوروبا لن تشذّ عن هذه القاعدة.

ألا يمكن لهذا الدرس أن يكون مفيدا في «جغرافيات» أخرى؟!

كاتب سوري مقيم في باريس

mohaklouf@yahoo.fr