جاء مقتل السيدة المصرية في ألمانيا ليكشف عن حجم العنصرية التي يتعرض لها المسلمون في أوروبا وأميركا على السواء. ورغم الاختلافات النسبية بين دولة وأخرى، فإنه من الواضح وجود اتجاه عدائي يغذيه الإعلام الغربي، تجاه المهاجرين بشكل عام والمسلمين منهم بشكل خاص.
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا والعمليات التي تمت بعد ذلك في بعض الدول الأوروبية، مثل بريطانيا وأسبانيا، في تأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين.
والتي وصلت في أسوأ حالاتها إلى مهاجمة المساجد وحالات القتل القائمة على الكراهية ورفض الآخر، مثل حالة مقتل السيدة المصرية على يد المتطرف الألماني أمام طفلها وداخل مبنى المحكمة الألمانية. وبغض النظر عن بعض ممارسات المسلمين التي لا يجب أن يُلام عليها كل المسلمين، فإن هناك العديد من الأسباب التي تضعهم في بؤرة وعي الآخر الغربي، وتثير الكثير من العداء الديني والعرقي ضدهم.
يأتي الحجاب على رأس الأسباب التي تضع المسلمين في بؤرة الوعي الغربي، وهو ما يظهر من خلال حجم النقاش الدائر في الكثير من الدول الأوروبية حول حجاب فتيات المدارس وضرورة منعه، وربطه بالتوجهات العلمانية الأوروبية. ويمثل الحجاب رمزا لافتا للنظر بالنسبة للغربيين يفصل بين الشرق والغرب، ويستدعي كل الحمولات الدينية المرتبطة بالعداء الإسلامي المسيحي.
ويزداد توجس الغرب في ضوء الصعوبات المرتبطة بعدم اندماج المسلمين داخل المجتمعات الغربية، وبشكل خاص المرأة المسلمة المرتدية للحجاب. فكيف يمكن لامرأة مسلمة تعيش في أي من الدول الأوروبية أن ترتاد حفلة موسيقية راقصة أو ترتاد البارات الليلية! وهو أمر يقود لا محالة إلى الاحتماء بالمجتمعات الإسلامية الضيقة، ويخلق عزلة بين المسلمين وبين الفضاء المجتمعي الذي يعيشون فيه.
يساعد على ذلك ارتفاع نسب البطالة وضعف الخدمات الاجتماعية التي يقدمها الكثير من الدول الأوروبية للمهاجرين، وتعمد عزل المسلمين في الضواحي الفقيرة، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد تمسكهم بالجوانب الدينية والاحتماء بها من الفضاء المجتمعي الضاغط على المستوى المادي والقيمي.
اللافت للنظر أن وضعية المرأة المسلمة، سواء التي ترتدي الحجاب أو التي لا ترتديه، مثلت وعيا فائقا بالنسبة للمرأة في أميركا وأوروبا على السواء، وهو عامل لا يزال يلعب دورا كبيرا في أميركا على وجه الخصوص، في تعرف الكثير من النساء الأميركيات على الإسلام ومحاولة التقرب من المجتمعات والثقافات المسلمة، وبالطبع أربك هذا التوجه الكثير من رجال الدين المسيحي سواء في أميركا أو أوروبا. من هنا فإن الحض على كراهية المسلمين في أوروبا وأميركا مسألة لا ترتبط فقط بمحاربة الإرهاب، بقدر ما ترتبط بدرجة كبيرة من الخوف من زيادة أعداد المسلمين بشكل غير مسبوق.
لا يقف الأمر فقط عند حجاب المرأة المسلمة، لكنه يتعداه أيضا إلى دور العبادة ذاتها التي يجد فيها الغرب شكلا مختلفا عما اعتاد عليه من كنائس مسيحية أو معابد يهودية. بل إن الغرب في تعامله مع المسلمين يقف منهم موقفا معاديا، لمجرد أن صلواتهم تختلف عن صلواته، وطقوسهم تختلف عن طقوسه، فالمسألة برمتها موقف عدائي عنصري ضد الاختلاف الذي يرتبط به المسلمون، مقارنة بالغرب وعاداته وثقافاته.
فالغرب الذي يؤمن بالتعددية والانفتاح والتسامح، لا يجد نفسه قادرا على قبول الاختلاف الإسلامي، وهو موقف أيضا يُلام عليه الكثير من المسلمين الذين لا يقبلون بسهولة اختلاف الغرب عنهم.
إن ارتفاع حدة العنصرية الغربية ضد المسلمين مرتبط في الأساس بالوعي الحاد بالاختلاف وعدم القدرة على قبول عناصر الاتفاق والعمل على تنميتها وتطويرها، ولعل ذلك يفسر ببساطة شديدة لماذا قتل المتطرف الألماني المرأة المسلمة ولم يستطع تقبل فكرة وجودها كبشر، وأنها أم لديها مشاعر نحو طفلها الصغير وتحب زوجها مثلها مثل غيرها من نساء الأرض حتى وهي ترتدي الحجاب.
كلمة أخيرة تتعلق ببعض الكتاب العرب الذين يكيلون اللوم ليل نهار للمسلمين ويتهمونهم بالإرهاب والتطرف، وليس لهم من هدف سوى المزايدة علينا رغبة في التقرب من الآخر الغربي والحصول على رضاه السامي، فلم نسمع كلمة واحدة منهم تجاه ما يحدث ضد العرب والمسلمين في أوروبا وأميركا، كما لم تنبر أقلامهم إدانة لمقتل السيدة المصرية أو الاقتراب من التطرف الألماني أو الحديث عنه.
كاتب مصري
