«ما يطلبه المستمعون»، برنامج كان العرب يولونه عشقاً كبيراً، كونه تذكر فيه أسماؤهم الأولى بلا ألقاب أو رتوش في الراديو، ولا يعرف هل كانت الأسماء حقيقية أم مفبركة وهي تطلب سماع أغنيات محددّة.. اليوم.

واقعنا السياسي مفبرك وبأسماء وهمية أيضا! قبل نصف قرن من الزمن، كانت الناس تنتظر نشرة الأخبار وهي تتابع ما يجري في العالم.. تترقب خطاب رئيس، أو جلسة برلمان، أو افتتاحية صحيفة، أو انتظار زيارة، أو استقبال شارع، أو مشاركة فنان أو انطلاق تظاهرة.. اليوم، مات ذلك كله، فالناس لم يعد يهمها العالم، بل انشغلت بمصالح شخصية ومنافع مادية!

اليوم، لا أحد يجادل في حراك سياسي، أو جدال فكري، أو صراع إيديولوجي.. بل ثمة رهان على ما يتصل بالمكاسب الشخصية لا العامة، بعيدا عن أي تواز مع قرارات، أو تشريعات.

إن المهم وفق المعطيات الأكثر إلحاحا اليوم، مقارنة بما لدى الشعوب الأخرى من حراك وتفاعل، حيث نجد انعداما للدور والرؤية في تحمل المسؤولية، وابتعادا عن المشاركة في تشكيل الموقف المطلوب في الاستجابة والرد على التحديات، فغابت صيغ المواجهة، وخبت العلاقة بين الشارع العربي ومستويات اتخاذ القرار، كي نجد غيبوبة الاستحقاقات. إن ممارسة سياسات تهريجية إعلامية وتربوية خاطئة، خلقت من الجيل الجديد مفاهيم خاطئة عن مجتمعاتنا وأدوارها.. ناهيكم عن هيمنة أناس غير سياسيين على مقاليد الدولة وسلطات المجتمع.

إن مجتمعاتنا تعيش اليوم ترهلا ولا مبالاة بما يجري.. إن الناس لا تهمها اليوم المعاني بقدر ما تهمها الأشياء.. وان اغلب السلطات يهمها ما يطلبه المستمعون، ولكنها تجزع من نبض الشارع المغيّب هذه الأيام.. اليوم، يسكت التاريخ عمّا كان ينبغي أن يكون مشاركا في هذا الوجود.. اليوم ضاعت الأحلام التي كانت ترسم للأجيال طريق الحياة!

لم يعد الجدل دائرا محفزا وجاذبا.. مناديا ومناشدا الضمير الإنساني كما هو حال الأمم الأخرى، وهي تعلن مآسيها على العالم كله: العراق محطم، مصر غائبة، السعودية ساكتة، لبنان يتداعى، سوريا منشغلة، ليبيا خارجة، فلسطين منقسمة، الجزائر مبتلاة، تونس منكمشة، السودان جامد، اليمن منهك.. المغرب مبتعد.. الأردن منزوٍ.. دول الخليج مهددة!

المآسي التي يتعرض لها العرب لا تسوّق إنسانيا باسم أي حقوق للإنسان.. إنهم لا يعرفون مخاطبة العالم.. الحكام يخشون مخاطبة العالم.. الأطفال لا يعرف بحرمانهم هذا العالم.. النسوة الثكالى والمنكوبات لا يدرك العالم مآسيهن.. النازحون والمهاجرون والراحلون واللاجئون والهاربون لا تعاطف معهم، لأن وسائل إعلامنا لا يشغلها هؤلاء بقدر ما يشغلها الضجيج حول قضايا تافهة! وان المسائل العامة لا الخاصة تعتلي الطاولات من دون أي نتائج مثمرة..

العالم لا يدرك حجم ما تحتاجه مجتمعاتنا بعد سلاسل المحن والحروب والصراعات والمجاعات.. فمن يزحزح القوالب الجامدة.. ليقول: ها أنا ذا اصرخ ولا استمع فقط! ها أنا ذا ارفض التهديد ولا استمع فقط.. وامقت العدوان والقتل.. وأدين الحصار والتجويع.. واكره المماطلة والتسويف.. ولا اقبل الإهمال والتجاهل، ولا استمع فقط..

نعم، إن العرب اليوم، لا تجد لهم أي حراك سياسي أو إنساني أو حضاري.. إنهم مجرد برنامج سماعي، لا يعرفون أسلوب المشاركة ولا حوار العالم ولا أي حراك..

وقد قرّوا في بيوتهم، لا يستمعون لما يجري، فهم بلا أي تفاعل ولا أي ردود فعل.. إنهم بلا أي شارع سياسي أو منتديات عمل، أو نضال أحزاب.. إنهم قد عافوا شارعهم السياسي، وتركوا الفعل السياسي.. إنهم صامتون يشاهدون ما يجري في شوارع الإيرانيين، ويستجْدون ما سيصنعه العرابون الأتراك لهم، ويصغون جيدا لخطابات الإسرائيليين!!

يصفقون للرئيس الأميركي أوباما في القاهرة ويلوكون خطابه، ويعجب علماء الدين به ويكيلون له مديحهم وتبجيلهم، دون أن يطلعوا على خطاب آخر لأوباما، وهو يناصر إسرائيل حتى العظم! لقد كتبت ونشرت مئات المقالات والأشعار التي تتغزل بأوباما وحلو حديثه، من دون أي فعل سياسي جماهيري بالرفض أو القبول..

القوات الأميركية انسحبت من المدن العراقية بعد أن تركتها محطمة.. وستذهب حتما إلى أفغانستان، ولكن بلا أي ردود فعل عربية وإقليمية بصدد العراق الذي كانوا يسمونه «بروسيا العرب»، وهو اليوم مجرد من القوة ومن مقومات الحياة! من يذكر العراق اليوم بعد أن كان الشغل الشاغل للعرب أجمعين في سالف الأيام والسنين؟ ذاك الذي تغنّى به المطربون ورقص له الراقصون؟

لقد أصبح العرب يحسنون الاستماع فقط، بعد أن كانوا في ما مضى يجيدون الكلام، ويصنعون الأشعار، ويبدعون الألحان عن الأوطان.. وإذا كانوا في القرن العشرين «ظاهرة صوتية»، فهم اليوم ليسوا أكثر من «برنامج استماع» لا غير! ومن الطريف أنهم الوحيدون في المنطقة الذين يمتلكون «جامعة للدول العربية»، والتي لم يعد لها أي نفع يذكر على المستويين الداخلي والخارجي.. وانبثق عنها ما أسموه ب«البرلمان العربي» والذي ولد ميتا.. هنا أسأل: من يشاركني الهم لإثارة محفزات واقعنا، ومن يخالفني منددا من مضجعه بأن هذا جلد للذات؟!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com