في نهاية النهاية، فإن الانتصار والفخار هو للشعوب بمقاومتها وبكل تضحياتها، والاندحار والعار للمستعمرين بكل قوتهم ووحشيتهم وبطشهم، والبقاء للشعوب المناضلة من أجل حريتها، والزوال للاحتلال مهما بلغت قوته ومهما طال أمده..
هذا هو الدرس الذي أدركته ووعته كل قوى الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والإيطالي بعد المكابرة على مدى عقود، فحملت عصاها على كتفها ورحلت وسلمت بالاستقلال، بعد هزيمة القوة أمام المقاومة، وفشل الاستعمار أمام الأحرار، وانتصار الدماء على السيوف، بينما لم تفهمه أو تعه بعد قوى الاحتلال الاستعماري الاستيطاني في فلسطين.
وانتصار ثورة المليون شهيد للشعب العربي الجزائري الشقيق على جيش الاحتلال الاستعماري الفرنسي، وما تلاه من هزيمة لمنظمة الجيش السري الاستيطانية الإرهابية التي رفضت الانسحاب، بعد احتلال طال للجزائر منذ عام 1830 وبعد مقاومتها الباسلة بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري، وحتى الاستقلال عام 1962 بقيادة المناضل السياسي أحمد بن بيللا والمناضل العسكري هواري بومدين ورفاقهما الأحرار، هو نصر لكل العرب الأحرار.
ولقد أثبت ما أثبته التاريخ البعيد والقريب، أنه مهما طال الزمن وعظمت التضحيات فإن المجد والانتصار في النهاية هو للشعوب الحرة حين تملك إرادتها وتصمم على الحرية والاستقلال، وتقاوم جيوش الاحتلال الاستعماري وتقدم الشهداء والتضحيات ليس بالآلاف وإنما بالملايين، وأنه مهما طغى الظلم وطال الظلام قرب الفجر.
لقد أشرق فجر الحرية على الجزائر المستقلة بعد مقاومة شعبية أسطورية دفعت بالتضحيات الغالية الثمن الغالي للحرية، وبعد مفاوضات سياسية صعبة بين المناضلين وبين المستعمرين في «إيفيان» في ظل استمرار المقاومة الوطنية، حتى سلم الجنرال ديجول بالانسحاب بشجاعة، بعدما أعلن الشعب الجزائري الحر أن الجزائر عربية وليست فرنسية.
وفي نهاية النهاية، فإن الشعوب لن تنسى جرائم المستعمرين ولن تطوي تلك الصفحة المريرة في تاريخها، ولن تتسامح مع جرائم المستعمرين ولا في ما قدمته من تضحيات لاستعادة حقوقها، ولن تفتح صفحة جديدة مع دول الاستعمار، إلا بعد اعتراف المستعمرين بما ارتكبوا من جرائم في حق هذه الشعوب وما نهبوا من ثروات، وإلا إذا تحملوا بشجاعة مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية عن الصفحة السوداء الاستعمارية، بدفع التعويض وتقديم الاعتذار.
وهذا هو الدرس الذي أدركته ووعته إيطاليا، فأقرت بالجرائم الوحشية ضد الشعب العربي الليبي الشقيق خلال الحقبة الاستعمارية المدانة من الشعب والحكومة الإيطالية الحالية، ودفعت تعويضا ماديا رمزيا في شكل مشروعات للتنمية تكفيرا عن الذنب، بل إنها قبلت استقبال أبناء وأحفاد المجاهدين الليبيين الشهداء وفي مقدمتهم ابن شيخ المجاهدين عمر المختار، في روما بصحبة الزعيم الليبي معمر القذافي واستقبلتهم استقبال الأبطال..
بينما لم تفهم فرنسا ولا بريطانيا ولا أميركا هذا الدرس بعد أو تستوعبه، عن غطرسة أو جهل أو استخفاف بشعوبنا العربية والإسلامية، لا فرق! فلا اعتذرت فرنسا للشعب الجزائري أو المغاربي أو السوري، ولا اعتذرت بريطانيا للشعب الفلسطيني عن تسليم وطنه للصهاينة خلال انتدابها، أو للشعب المصري عن احتلالها، ولا انسحبت أميركا المتورطة في مستنقعات الحروب ولا اعتذرت لشعوب العراق أو أفغانستان أو باكستان!!
بل إن فرنسا بدلا من الاعتذار أصدرت قانونا يمجد الاستعمار، وبينما اضطر شيراك إلى إلغائه، خرج ساركوزي يقول: إن الوجود الفرنسي في مصر والجزائر والمغرب لم يكن استعماريا بل كان «حلما حضاريا».. يا سلام!!