من القصص الطريفة في التاريخ الفرعوني أن كهنة المعابد راقبوا الأجرام السماوية على مدى مئات السنين ودونوا ذلك في سجلات مئوية، وبإخضاع هذه السجلات لنوع بسيط من التحليل اكتشف هؤلاء الكهنة دورة الخسوف والكسوف «الساروس»، وبإخفاء هذه الحقيقة أمكنهم ادعاء القدرة على معرفة الغيب، فكانوا قبل موعد كل كسوف أو خسوف يعلنون للناس أن «الإله الشمس» أو «الإله القمر» سيحتجب بسبب معاصي الناس، وبعد أن يدب الرعب في قلوب الناس يعلن الكهنة أن باستطاعتهم استعادة رضا الإله الغاضب، ومن ثم يبدأون في جمع المال والقرابين!!

لكن هذا التنبؤ تحول مع مرور الزمن إلى نشاط إنساني أقل غموضا وأكثر قابلية للتعامل العقلاني المنظم معه، وتشير استطلاعات أجرتها مؤسسات غربية مرموقة إلى أن ما يقرب من ربع الأحلام التي يراها الناس في منامهم، هي «أحلام استشرافية» تنطوي على نبوءة، إما بشكلها الحرفي أو بمغزاها.

ومع الزمن تحول التنبؤ من «كشف» يراه الفرد العادي في منامه أو يعرفه المتنبئون الذين يدعون علم الغيب، إلى عمل منظم يقوم على «الفهم» واستنتاج قوانين التغير والتطور من الماضي، وبالتالي ظهر «التنبؤ العلمي».

ومرت ظاهرة التنبؤ العقلاني بمرحلتين، الأولى أطلقتها الماركسية بتصورها لمراحل التطور الاشتراكي وصولا إلى اليوتوبيا، وازدهرت بعدها التصورات، ومعظمها كان شطحات تصورية لا صلة لها لا بالحدس ولا باستنتاج قواعد للتغير من تجارب الماضي، وفي هذه المرحلة غلب منطق «فرض التصور على الوجود».

وفي مرحلة تالية، ظهرت «المستقبليات» وازدهرت صناعة السيناريوهات من النظرية المالتوسية التي أطلقها مالتوس عام 1798 في «رسالة في الأصول السكّانية»، مرورا بالتقرير الشهير المسمى «حدود النمو» الذي أصدره نادي روما عام 1972، وانتهاء بنبوءة صراع الحضارات التي أطلقها صمويل هتنجتون عام 1993 وأثارت جدلا لم ينته حتى الآن.

وقبل أيام أصدر أحد أهم مراكز البحث في أميركا تقريرا مهما حول فشله ـ في تقرير سابق ـ في التنبؤ بمسار الاقتصاد الأميركي، وبالتالي التنبؤ بالأزمة الاقتصادية العالمية وما تبعها من كوارث. والمركز هو بروكنغز، واستطاع أن يحتل موقعا مؤثرا في قطاع «الثينك تانكس»، ولدى المركز مصداقية كبيرة عند أصحاب القرار التشريعي في أميركا، ففي دراسة على أعضاء الكونجرس رأى 90% منهم أن هذا المعهد هو الأكثر مصداقية بين باقي المراكز النظيرة له، كما عمل فيه بعض أهم رجال الخارجية الأميركية.

المركز توقع ارتفاع عجز الميزانية الأميركية إلى 13 تريليون دولار، بعدما كان يتوقع فائضا ب6 تريليونات قبل 10 سنوات، وتضمن التقرير الجديد لبروكنغز تحذيرا من تراكم مديونية الحكومة بسبب الصرف الحكومي على الشركات والبنوك والمؤسسات الاستثمارية التي أفلست، وبسبب خطة الرئيس أوباما لتنشيط الاقتصاد وخطته للتأمين الصحي. وقارن التقرير الوضع الراهن مع تقرير أصدره المركز نفسه قبل عشر سنوات، توقع جملة فائض 6 تريليونات دولار.

وجاء في التقرير ما نصه: «تسبب كل نظرة لمستقبلنا الاقتصادي خوفا وقلقا. صار واضحا أن عجز هذه السنة عملاق. ويبدو أن عجز السنوات القادمة لن يكون عملاقا فقط، ولكن، أيضا، سيكون مؤذيا».

الدلالة الأكثر أهمية لهذه المراجعة من منظور تطور علم المستقبليات، أنها نموذج عملي نادر للإخفاق، وبالتالي هي لحظة من لحظات «الإمساك بالخطأ»، فالوضع الاقتصادي الأميركي الحالي يناقض ما كان عليه قبل عشر سنوات. ففي ذلك الوقت، واجهت الحكومة الأميركية عجزا امتد من 1970 إلى 1997، لكن قبيل نهاية إدارة كلينتون حققت الحكومة فائضا لأول مرة استمر حتى 2000.

وخلال «سنوات الطفرة» نفسها أصدر مركز «بروكنغز» نفسه تقريرا متفائلا توقع أن يستمر الرخاء في أميركا لمدة سبعين سنة، وأن يستقر برنامج «الضمان الاجتماعي» وبرنامج «التأمين الصحي لكبار السن»، وأن تدفع الحكومة الأميركية كل ديونها، وكانت آنذاك 5 تريليونات دولار وليست عشرة تريليونات دولار كما هي الآن! وفي اعتراف واضح بالإخفاق يقول التقرير: «من كان يصدق أننا توقعنا جملة فائض 6 تريليونات دولار، وها نحن نواجه جملة عجز 13 تريليون دولار؟».

إن علم المستقبليات يختص ب«المحتمل» و«الممكن» و«المفضل»، كما يهتم بالأشياء ذات الاحتماليات القليلة، لكن ذات التأثيرات الكبيرة التي يمكن أن تصاحب حدوثها. فهناك دائما «عدم تأكد» كبير لا يجب الاستهانة به. لذا فإن المفتاح الأساسي لاستشراف المستقبل، هو تقليص عنصر «عدم التأكد» لأنه يمثل مخاطرة علمية.

لقد انتقلت البشرية من «الكشف» إلى «الفهم»، لكنها ما زالت حبيسة القراءة الخطية للتاريخ والمبالغة في تقدير تأثير ما هو مادي على حساب ما هو إنساني وأخلاقي وغيبي، وتحولت النماذج التنبئية التي طورها علماء المستقبليات إلى مصادر لحتميات جديدة كتلك التي كان مصدرها الأيديولوجيات، ولذا فقد كذب المتنبئون، حتى لو كانوا «بروكنغز»!!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com