هذا هو الشعار الذي يطغى على أي شيء آخر في خضم الأحداث التي تعصف بلبنان حالياً، لأنه سيختصر على ما يبدو الغلاف الذي سيغطي جوهر العمل السياسي، وربما العسكري والأمني، خلال المرحلة المقبلة.

وهذا أمر ليس مبالغاً به أبداً، لأن ردود الفعل والردود اللاحقة عليها أثبتت بكل وضوح، ان هاتين الكلمتين القصيرتين إنما تختصران مشروع الانتماء الوطني الذي لا يزال يقسم اللبنانيين بشكل مقلق. وهما تشيران أيضاً إلى أن هذا المشروع، وبرغم نبل أهدافه وضخامة أولوياته، لا يزال هشاً مشتتاً، يتراقص على أنغام الخلافات الكثيرة التي تمادت في قتل الوطن.

وإذا كنّا ندين بالشكر لكل من أطلق هذا الشعار، وفي مقدمتهم سعد الحريري وقبله كثيرون، إلا أنه يجب علينا أن ندعوهم للتيقظ وأخذ العبر، لكي لا يتحول هذا الشعار الجميل إلى فخ يراد منه تجريد مطلقيه من الوطنية الصادقة التي هم حتماً يتمتعون بها، ليصبحوا بقدرة الجهل والانتماء الأعمى سياسيين «انعزاليين» و«شوفينيين» متعصبين وما شابه.

شخصياً أعتقد أن الاهتمام بشؤون الوطن وشجونه يجب أن يكون من الأولويات القصوى التي تحكم أداء كل عهد وكل حكومة جديدة. وهذا ينطبق حتماً على لبنان، ذلك البلد المثقل بهموم ومشكلات كثيرة حتى إشعار آخر.

ولا أعتقد أن إطلاق ذلك الشعار هو أمر سيئ، حتى لو كان من باب الحملات الانتخابية أو التعبئة الشعبية. فالمطلوب بشدة في الوقت الحاضر هو توجيه اللبنانيين إلى وطنيتهم الجامعة الموحّدة، بدلاً من الاستمرار بحثّهم على التفرق والغربة عن أبناء جلدتهم.

وهذا هو المقصود من التيقّظ، لأن من تجرأ على إطلاق هذا الشعار لم يعد رجلاً سياسياً ينحصر تأثيره في التيار الحزبي والمذهبي الذي يمثل، بل أصبح على الأرجح زعيماً وطنياً شاملاً يجب أن ينشر أفق وعيه السياسي إلى كل أرجاء الوطن.

وبالتالي، ينبغي عليه وعلى التيار الحزبي الذي يمثله، أن يتمددوا من حالة التقوقع السياسي التي كانت تميز أداءهم خلال المرحلة الماضية (لأسباب مفهومة حتماً)، وأن يعتمدوا استراتيجية جديدة تُظهر عمق الانتماء الشامل الذي سيميّز عملهم السياسي ـ الوطني خلال المرحلة الجديدة، لأن ذلك هو ما سيتطلع إليه كثيرون من أصحاب النوايا الحسنة، لكن أيضاً من أصحاب النوايا السيئة.

لا شك أن ذلك سيكون صعباً في ظل الظروف التي تميّز لبنان تحديداً، باعتباره ذلك الوطن «الفريد» القائم على ما يسمى بالديمقراطية التوافقية، لكنه يبقى مطروحاً بإلحاح في كل ظرف. وقد يكون الأمر مضاعفاً أمام سعد الحريري تحديداً، حيث ستبرز لمواجهته حالياً سلسلة من التحديات المحلية والإقليمية التي سيكون قادراً على التعامل مع بعضها بحكمة وشجاعة، لكنه قد يخفق، لا سمح الله، في بعضها الآخر.

نعم، يجب على الحكومة الجديدة أن تنظر إلى لبنان أولاً. فهذا أمر منطقي يستوجبه الانتماء الوطني الحقيقي في بلد أنهكته الصراعات والحروب والمعاناة الدموية الكثيرة، في حين تسببت الآفات الاجتماعية الكثيرة في هجرة أبنائه إلى بلاد أخرى.

ونعم، يجب أن ينصبّ معظم الجهود من أجل النهوض بهذا الوطن من كبوته المؤلمة المتفرعة الجوانب، لأن في ذلك أملاً لجميع أبنائه.

ولا يمكن إلا الموافقة على كل المساعي التي قد تبذل لاحقاً من أجل تحصين الساحة الداخلية، من خلال صيغة معيّنة تضمن نشوء نوع من الوئام الوطني المؤقت، بانتظار أن ينضج السياسيون، بقدرة قادر، ويوجهوا الجهود للبحث في الأمور الجدية المصيرية، وفي مقدمتها إلغاء الطائفية السياسية.

المهم في ما يجري حالياً هو أن تتعامل القيادة الجديدة في لبنان مع الشعار المذكور بكثير من الحنكة والموضوعية، لأن ثمة قضايا أخرى كثيرة لا يمكن تجاهلها أو نسيانها باعتبارها شائكة ومتفرعة إلى امتدادات إقليمية مختلفة. ولا يسعّنا في هذا الإطار، على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن نشير إلى مدى ارتباط لبنان بقضية شعب فلسطين، إن كان من خلال مشروع السلام المتعثر، أم من خلال المعاناة الصارخة لهذا الشعب في أرضه، لكن أيضاً على أرض لبنان.

وبالتالي فإنه لن يكون من المنطقي الإشارة إلى الشعار المذكور، دون الإضاءة بشكل جدي وعادل على ما يعانيه أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان من قهر وظلم اجتماعي.

يضاف إلى ذلك حتماً سلسلة من القضايا الجدية الأخرى المرتبطة بمشروع التسوية الشامل ودور لبنان فيه، لأن ذلك يرتّب على حاملي شعار «لبنان أولاً» سلسلة من المهام والقناعات الأخرى التي تعتبر جزءاً من العمل السياسي الشامل، حتى لو كانت خارج إطار قناعاتهم الحزبية.

في الواقع، إنها نفس تلك القناعات التي طالما حاول معظم اللبنانيين العاديين التنصل منها، لكنها بقيّت ماثلة أمامهم تكبّل طموحاتهم النبيلة والصافية لبناء وطن مستقل وآمن، بعيداً عن التجاذبات الإقليمية المختلفة.

لبنان هو بلا شك أمام مرحلة جديدة ستكثر فيها الاستحقاقات وتتنوع. وهي استحقاقات وطنية حتماً، حتى لو كانت لها امتدادات إقليمية وربما دولية أيضاً. ما يهمنا من كل ذلك هو كيف ستتمكن القيادة الجديدة، في حال نجحت في بناء فريق وزاري منسجم، من تحقيق تناغم بنّاء بين أهدافها وشعاراتها الوطنية وواجباتها الإقليمية والدولية.

وهذا أمر حيوي حتماً، لأنه سيعكس نسبة النجاح أو الفشل في بناء الدولة العصرية التي تطمح إليها القيادة الجديدة. فإما أن تصبح أركانها جزءاً من القيادات الشابة التي بها ومعها يكبر الوطن، وإما أن يتحولوا مجدداً كبعض أسلافهم إلى مجرد مساهمين في لعبة المراوحة في المكان حتى إشعار آخر.

لا يسعنا في هذا السياق إلا أن نتمنى للبنانيين حكومة متماسكة تنهض بالوطن وتدفعه إلى الأمام، فالتحديات الماثلة كثيرة جداً.. ليس فقط أمام اللبنانيين.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz