في الوقت الذي اعتقد فيه المحللون في العالم، أن القارة الأميركية الجنوبية والوسطى انعطفت نحو اليسار مع بداية سنة 2005، مستفيدة من إخفاقات السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما في أفغانستان والعراق، جاء الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المخلوع مانويل زيلايا في الهندوراس يوم 28 يونيو الماضي، ليؤكد أن العقليات القديمة لم تختف بعد، رغم سقوط الديكتاتوريات العسكرية في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وموجة الديمقراطية التي اجتاحت أميركا اللاتينية في عقد التسعينات.

حيث أصبح الاشتراكي المناهض للسياسة الأميركية معطى جديدا في القارة الجنوبية والوسطى.وكانت الأزمة في هندوراس تفجرت عندما حاول الرئيس المخلوع مانويل زيلايا تنظيم استفتاء شعبي يوم الأحد 28 يونيو الماضي، يفسح له المجال أمام ترشحه لولاية جديدة في 29 نوفمبر المقبل، والذي اعتبرته المحكمة العليا في البلاد غير شرعي.. وعندما طلب الرئيس مساعدة الجيش لتنظيم الاستفتاء، رفض قائد الجيش الجنرال روميو فاسكيز، المشاركة في تنظيم هذا الاستفتاء بوصفه غير دستوري، فما كان من الرئيس إلا أن أقاله فورا يوم 24 يونيو الماضي، الأمر الذي عجل بحدوث الانقلاب العسكري.

وقد أدان المجتمع الدولي هذا الانقلاب العسكري، الذي يعتبر الأول من نوعه في أميركا الوسطى منذ نهاية الحرب الباردة، حيث عقدت منظمة الدول الأميركية قمة أزمة في مناغوا عاصمة نيكاراغوا يوم الاثنين الماضي، ضمت الرؤساء الفنزويلي هوغو تشافيز، والإيكوادوري رافائيل كورييا، والنيكاراغوي دانيا أورتيغا، والبوليفي إيفو موراليس، الذين اشترطوا على الانقلابيين «عودة الرئيس المخلوع والمطرود من بلده إلى منصبه». وكان الانتقاد الأقوى لقادة الانقلاب العسكري صدر عن الرئيس تشافيز الذي حض شعب هندوراس على التمرد، وتعهد القيام بكل ما هو ممكن لإطاحة الحكومة المؤقتة وإعادة حليفه زيلايا.

بيد أن الانقلابيين المتفقين مع الأحزاب السياسية في البرلمان على تنصيب روبرتو ميتشيليتي كرئيس مؤقت للبلاد، بدوا في غير وارد الامتثال للضغوط الإقليمية والدولية، إذ ردّ ميتشيليتي على الانتقادات الخارجية له، بقوله: «قام تشافيز بتدخل واضح ومحدد في الأزمة التي تشهدها هندوراس حالياً... ألفنا حكومة ديمقراطية، ولن نرضخ للضغط من أحد.

نحن دولة ذات سيادة». وكانت الأنظار متجهة إلى واشنطن فور الانقلاب العسكري، باعتبار أن الموقف الأميركي للرئيس أوباما هو بمنزلة الاختبار الفعلي للقطيعة التي يتحدث عنها مع السياسة الخارجية الأميركية للإدارات السابقة، والتي اتسمت بالطابع الإمبريالي في علاقاتها التاريخية مع أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى، لجهة هندسة الانقلابات العسكرية، ومساندة الديكتاتوريات العسكرية التي حكمت طويلا في هذه الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، منذ القرن التاسع عشر.

وكترجمة لهذا الموقف الأميركي الجديد، أعلن الناطق الرسمي لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن الولايات المتحدة الأميركية علقت نشاطاتها العسكرية مع القوات المسلحة في هندوراس. وبما أن هندوراس تعتبر من أفقر بلدان العالم، فقد كانت تاريخيا واحدة من الحلفاء المقربين من الولايات المتحدة، التي استخدمتها كقاعدة خلفية للعمليات السرية التي كانت تقوم بها وكالة المخابرات المركزية الأميركية «السي.أي. إيه» في أميركا الوسطى.

وكانت الولايات المتحدة دعمت في الماضي الديكتاتور العسكري «كارياس أندينو» الذي حكم الهندوراس من عام 1931 ولغاية 1948، ثم بعد ذلك ساندت الديكتاتورية العسكرية التي حكمت البلاد من عام 1951 ولغاية بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما على موعد مع زعماء بلدان القارة الجنوبية والوسطى، حيث استغل قمة الأميركتين التي عقدت في بورت أوف سبين، في أبريل الماضي، لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الولايات المتحدة وجاراتها من أميركا اللاتينية والوسطى.

في الوقت الحاضر، أي إشارة ضعف من الرئيس أوباما تجاه قادة الانقلاب العسكري في هندوراس، سوف تفسر بمنزلة العودة إلى سنوات الرصاص. إنها فرصة من ذهب للرئيس أوباما لكي يجسد القطيعة مع الماضي الإمبريالي لواشنطن، وينضم من دون أية مواربة لمعسكر الديمقراطية، حتى وإن كانت الإدارة الأميركية لا تنظر بعين الرضى للرئيس زيلايا، علما أن للولايات المتحدة حوالي 600 جندي متمركزين في القاعدة الجوية لسوتو كانو.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org