يبدو أن الوسيط المصري الذي يرعى جلسات الحوار الفلسطيني، يئس من إمكانية تقريب وجهات النظر بين حركتي فتح وحماس، فالملفات الخمسة التي يجري الحوار حولها ما زالت عالقة عند بعض النقاط المفصلية، مثل برنامج حكومة التوافق وطريقة الانتخابات التشريعية وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وكذلك إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية.

برنامج الحكومة ما زال هناك خلاف حوله، فحركة فتح تقترح أن تتبنى الحكومة التوافقية المشكلة من مستقلين، الالتزامات الدولية التي تتبناها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، فيما تريد حماس العودة إلى اتفاق مكة الذي ينص على احترام الالتزامات والاتفاقات السابقة.

لكن فتح رأت في جلسة الحوار الأخيرة أن كلمة احترام وليس «التزام» لن ترفع الحصار عن غزة، وان المجتمع الدولي يريد التزاما صريحا، واقترحت على حماس ألا تتبنى القرارات الدولية لأنها غير مشاركة في الحكومة الموعودة، بل تترك الحكومة تلتزم بما التزمت به السلطة، وهذا يعفي حماس من الاعتراف بالقرارات الدولية، لكن حماس رفضت هذا الاقتراح.

وفي مسألة الانتخابات ما زالت حركة حماس تطالب بإجرائها وفق الطريقة السابقة، أي النصف وفق التمثيل النسبي والنصف فردي، لكن فتح تريدها نسبية بالكامل وفقا للمرسوم الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وفيما يتعلق بإصلاح منظمة التحرير فإنه اتفق على قيام لجنة بإدارة شؤون المنظمة أثناء إعادة بنائها، وطالبت حماس بأن تكون اللجنة ممثلة للشعب الفلسطيني كله، واعتبرت فتح ذلك كأنه انقلاب على القيادة الحالية للمنظمة وأطرها، وطلبت أن تكون اللجنة مؤقتة حتى لا يتم تكريسها دائمة ولا يجب وصفها بأنها ممثلة «لشعبنا الفلسطيني»، وفقا للنص المقترح من حماس.

وفيما يتعلق بإصلاح الأجهزة الأمنية اقترحت فتح تشكيل قوة مشتركة من حماس وفتح في غزة كجهاز أمني يتولى شؤون الأمن ريثما تجري إعادة بناء الأجهزة الأمنية، لكن حماس اشترطت أن يتزامن ذلك مع تشكيل قوة مشابهة في الضفة الغربية، وهو ما رفضته فتح لأن المشكلة في غزة ولا مشكلة في الضفة، ولأنه بالإمكان إعادة بناء الأجهزة في الضفة لاحقا وهو ما رفضته حركة حماس.

في جلسات الحوار الفلسطيني السابقة، لاحظ الوسطاء المصريون أن المتحاورين لم يأتوا بمواقف جديدة وظلت الهوة واسعة بينهم، ولذلك رفعوا جلسة الحوار إلى وقت لاحق هذا الشهر، ثم وضعوا اقتراحا لإخراج الحوار من مأزقه وهو تشكيل لجنة مشتركة تتولى مسألة حسم الملفات والمصالحة، إلى حين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في مطلع العام المقبل.

وهذه اللجنة التي تضم اكبر الفصائل، هي جهاز تنفيذي مرجعيته الحكومة التوافقية التي سيأمر الرئيس الفلسطيني بتشكيلها وتلتزم بشروط اللجنة الرباعية الدولية والتزامات منظمة التحرير، فيما تكون اللجنة معفاة من أي التزام، لكنها ستنهمك في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه حول إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتوحيدها وإجراء مصالحة وطنية والإشراف على إعادة إعمار غزة.

ووجهت السلطة أسئلة مطالبة بتوضيحات من القاهرة، نقلها السفير الفلسطيني نبيل عمرو إلى المسؤولين المصريين، فيما أبدت حركة حماس تحفظات معينة حول اللجنة وطالبت أن تكون اللجنة المشتركة هي المرجعية وليس الحكومة المرتقبة، وطالبت أيضا بإدراج إصلاح منظمة التحرير في الاقتراح المصري.

البعض فسر الاقتراح المصري بأنه ناتج عن اليأس من تقريب وجهات النظر بين فتح وحماس، وان مصر تريد إلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني وإجبار الفلسطينيين على ابتداع حل داخلي، خاصة وان مصر لديها ما يكفيها من تحديات داخلية وخارجية، وأنها تحملت العبء الأكبر نتيجة الانقسام الفلسطيني.

وذهب البعض إلى القول إن الاقتراح المصري هو تعايش مع الانقسام، وقد يؤدي إلى تثبيت حكومتين واحدة في الضفة والأخرى في غزة تحتاجان إلى كونفدرالية، وهي أول كونفدرالية تحت الاحتلال عبر التاريخ.

حماس ترى أن الوقت يلعب لصالحها سياسيا، خاصة وأن الحكومة الإسرائيلية اليمينية الجديدة ليس لديها برنامج تفاوضي وأسقطت حل الدولتين، وهذا يحرج القيادة الفلسطينية، وان التطورات الإقليمية، خاصة من ناحية الحوار الأميركي الإيراني المرتقب، تصب في مصلحتها، وهي بالتالي تراهن على أن الرأي العام الفلسطيني سيتجه نحو التصلب نتيجة غياب أفق سياسي تفاوضي، ونتيجة الهجمة الاستيطانية المكثفة التي تمارسها إسرائيل في الضفة الغربية وخاصة القدس المحتلة.

وثمة يقين من أن الحكومة الإسرائيلية لن تغير برنامجها السياسي لأن الائتلاف الحكومي يستند إليه، وفي حالة نقضه سينفرط عقد الائتلاف. وليس في وسع الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يفعل الكثير، حيث أن السنين المقبلة ستشهد مجرد محاولات أوروبية وأميركية لإقناع نتانياهو بخارطة الطريق ومؤتمر انابوليس ورؤية بوش بحل الدولتين.

وهذا كله يدعم موقف حماس داخليا، فالتطرف الإسرائيلي سيؤدي حتما إلى تطرف فلسطيني مواز.

كاتب فلسطيني

hafezbargo@hotmail.com