بين الفضاء العربي والفضاء الأفريقي روابط وثيقة جغرافية وتاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية. فالدول العربية الأفريقية العشر التي تشكل ثلثي الوطن العربي أرضا وبشرا وتمثل ربع سكان القارة الواعدة والناهضة، هم جزء من الاتحاد الأفريقي.
والعرب والأفارقة جمعهم في الماضي الكفاح المشترك للتحرر من الاستعمار الأوروبي، ويجمعهم الحاضر بتحدياته السياسية والتنموية المشتركة نتيجة النزاعات الحدودية والقبلية التي هي من آثار الحقبة الاستعمارية القديمة والتدخلات الاستعمارية الجديدة، ويجمعهم المستقبل بتحدياته التنموية لصنع الحياة الكريمة لشعوبهم الحرة التي تتوق للوحدة لتعويض ما فات ودخول عصر الكبار.
من هنا جاءت القمة الأفريقية الأخيرة في «سيرت الليبية»، عربية بامتياز، سواء من حيث الحضور العربي أو القضايا العربية أو الخطاب العربي، وكان حضور رئيس القمة العربية الشيخ حمد بن خليفة إلى جانب رئيس القمة الأفريقية بجانب القائد معمر القذافي، والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بجانب المفوض العام للاتحاد الأفريقي جان بينج على منصة الرئاسة، إلى جانب الحضور العربي، رسالة عربية أفريقية بامتياز، عبرت عنها الكلمات العربية الواعية في الجلسة الافتتاحية.
والجماهيرية العربية الليبية التي حملت الدعوة إلى الوحدة الأفريقية هي دولة عربية تدعو للوحدة العربية الأفريقية، ومدينة سيرت التاريخية التي شهدت منذ عشر سنوات إعلان تأسيس الاتحاد الأفريقي في 9/9/99 هي مدينة عربية، والقضايا التي تبحث القارة الأفريقية لها عن حلول، سواء في الصومال أو في السودان أو في موريتانيا أو في الصحراء الغربية، هي في الأساس مشاكل عربية، ورئيس الاتحاد الأفريقي في دورته الحالية هو زعيم عربي أفريقي.
قرارات المؤتمر كانت أيضا عربية بامتياز، أولها، عودة موريتانيا العربية الإسلامية إلى عضويتها الطبيعية في الاتحاد الأفريقي بعد عودة الأوضاع إلى طبيعتها الدستورية بوساطات عربية ليبية وأفريقية سنغالية.. وثانيها، رفض التعاون مع محكمة أوكامبو الجنائية، دعما للسودان العربي الأفريقي وللرئيس عمر البشير في مواجهة المؤامرة الغربية، وردا على تجاهل مجلس الأمن للإرادتين العربية والأفريقية..
وثالثها، إدانة محاولات تدمير الصومال العربي الأفريقي، ودعم الحكومة الشرعية للرئيس الشيخ شريف أحمد في مواجهة التمرد المسلح.
ورابع هذه القرارات وأهمها عربيا كان القرار الأفريقي الواضح الكلمات، بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في كفاحه المشروع ضد الاحتلال الإسرائيلي لنيل حقوقه الوطنية غير القابلة للنزاع، كحق تقرير المصير وحق العودة إلى الوطن، وإدانة جرائم الحرب الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعوة المجتمع الدولي لمقاضاة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم.
بقي القرار الأفريقي الأبرز بتطوير صلاحيات المفوضية الأفريقية وصولا إلى الحكومة الاتحادية، بقيام «السلطة الاتحادية الأفريقية» في مجالات الخارجية والتجارة والدفاع.. والقرار الأفريقي الأهم بتعبئة موارد أفريقيا الغنية لتنمية أفريقيا، وذلك بدعم الاستثمار في مجالات الزراعة والمياه والثروة الحيوانية تحقيقا للأمن الغذائي الأفريقي وتأمينا للقوة الاقتصادية وتقوية للإرادة السياسية، وكان الشيخ حمد بن خليفة بليغا وصائبا حين قال في المؤتمر: «من يستورد خبزه يصدر إرادته».
بينما كان القرار الأفريقي اللافت هو حضور القمة الأفريقية الأميركية في فنزويلا تدعيما لتضامن الجنوب مع الجنوب، ترجمة للحضور الأميركي الجنوبي الكبير في قمة سيرت الأفريقية، بينما القمة العربية الأفريقية الثانية لم يتفق عليها بعد!!.. وبينما تتقدم أفريقيا نحو الاتحاد، يتعثر العرب في التحرك نحو المصالحة!.