بالرغم من تقديرات البعض بأن انفراجاً واضحاً قد حصل في الحوار الثنائي بين فتح وحماس في الجلسة السادسة الأخيرة، سواء في ملف المعتقلين، أو في باقي الملفات، وبالرغم من بشائر التفاؤل التي نثرتها المصادر المصرية الرسمية ومعها بعض المصادر العربية، إلا أن الجولة السادسة من الحوار بين وفدي حركتي فتح وحماس في القاهرة، انتهت دون التوصل لنتائج حاسمة على صعيد وضع الترتيبات النهائية للتوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية الشاملة.

فقد تراجعت آمال المتفائلين الذين قالوا أكثر من مرة بأن موعد السابع من يوليو 2009 في القاهرة، بات موعداً مقدساً لتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية الشاملة، مستندين في ذلك على أمرين اثنين: أولهما إصرار الطرف المصري على الموعد المذكور، وثانيهما تهديدات اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذي أشار إلى أن القاهرة ستفرض رؤيتها على جميع الأطراف في الموعد المشار إليه، في حال عجز كل من حركتي فتح وحماس عن التوصل لاتفاق شامل ونهائي.

ومن المنطقي القول بأن الذين بدوا غير متفائلين بالموعد المحدد مصرياً، انطلقوا أيضاً من معطيات قائمة على أرض الواقع. وأول هذه المعطيات تمثل بعودة الإشكالات الأمنية واتساعها، واتساع نطاق الاعتقالات السياسية في الأراضي الفلسطينية، خصوصاً مع حادثتي قلقيلية وإصرار الطرف الإسرائيلي على أجندة التنسيق الأمني، وهو أمر تدرك إسرائيل أبعاده السلبية على مسار الحوار الفلسطيني في القاهرة. وثاني هذه المعطيات تمثل أيضاً بسلق عمل اللجان الخمس التي كانت قد انبثقت عن أعمال الجلسة الحوارية الأولى في فبراير الماضي، وتوقف مسار عملها عند حدود لم تصل إلى شواطئ الاتفاق على القضايا التي أنيطت بها.

وثالث هذه المعطيات تمثل بعجز وقصور الصياغات النهائية لكافة النقاط العالقة، والمتعلقة بنظام الانتخابات، والقوة الأمنية المشتركة، واللجنة الفصائلية البديلة عن تشكيل حكومة توافق وطني، في تشكيل مخارج جدية للقضايا المطروحة. ففي الصياغات كان لكل مفاهيمه، فقد «حدث تقدم في بعض الصياغات ولكن برزت عقبات في صياغات ثانية حول بعض الكلمات».

وفي التحديد الملموس للقضايا العالقة، نستطيع القول بأن القضايا الخلافية الثلاث، باتت تتركز حول مسألة اللجنة الفصائلية والقوة الأمنية المشتركة، ومسألة الانتخابات التشريعية وقانونها ونسبة الحسم فيها.

فنقطة الخلاف المركزية الأولى تمثلت في اللجنة الفصائلية التي اقترحها الطرف المصري، وهي فكرة رفضتها جميع الفصائل غير الموجودة في القاهرة، معتبرة إياها «خطوة بالغة الخطورة، تقود للتراجع عن الاتفاق على ضرورة تشكيل حكومة توافق وطني انتقالية تتولى إعادة إعمار غزة وتوحيد مؤسسات السلطة، والإعداد للانتخابات العامة في موعدها الدستوري».

أما حركتا فتح وحماس فقد تباينتا بالنسبة لحدود صلاحيات اللجنة الوطنية العليا الفصائلية التي اقترحها الجانب المصري، على أن تشكل من (12 ممثلاً لحركة حماس، و10 ممثلين لحركة فتح)، وممثل واحد لكل من الجبهة الشعبية وبعض الفصائل الأخرى. والخلاف ينصب على مطالبة حركة حماس بأن تكون هذه اللجنة مسؤولة عن إدارة الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تصر حركة فتح (وكذلك مصر) على أن تنحصر مهمة هذه اللجنة في إدارة الأوضاع في قطاع غزة دون الضفة الغربية.

فيما رأى باقي الفصائل أن (اللجنة الفصائلية المشتركة، حتى لو قبلت بها، فإنها دون ضمانات لن تكون أكثر من صيغة تنسيق كونفدرالية بين حكومتين وكيانين منفصلين، الأمر الذي يعني قوننة وشرعنة واقع الانقسام بدلا من إزالته، وتكريس الانفصال بدلا من تجاوزه).

أما نقطة الخلاف المركزية الثانية فقد تحددت حول كيفية إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتواصل الخلاف على القوة الأمنية (كيف تبدأ هذه القوة ومتى). فبعد أن تم الاتفاق بين خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، وعمر سليمان مدير المخابرات المصرية على إعادة ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف من أفراد الأجهزة الأمنية السابقة في قطاع غزة، للعمل في صفوف الأجهزة الأمنية الحالية، رفض وفد حركة فتح ذلك، وأصر على تشكيل قوة أمنية خاصة مشتركة، لا أن تلتحق عناصر الأجهزة الأمنية السابقة بالأجهزة الأمنية الحالية.

كما اشترط وفد حركة فتح أن تكون القوة المشتركة الخاصة بصلاحيات كاملة، فيما اعتبر باقي الفصائل أن المقترحات لحل المسألة الأمنية عبر تشكيل قوة مشتركة من الطرفين، بدلاً من إعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أسس وطنية مهنية وغير فصائلية «صيغة هشة وغير قابلة للحياة، وأن إقرارها ينطوي على مخاطر جمة، تنعكس على وحدة الكيان الوطني الفلسطيني ووحدانية التمثيل الفلسطيني وتقود إلى تمزيقه».

وبينما عادت نقطة الخلاف الثالثة تفرض نفسها بالنسبة لقانون الانتخابات التشريعية، وبالنسبة لتأكيد موعدها المقرر في يناير 2010، تحفظ في الوقت باقي الفصائل على ما يقال بالنسبة لقانون الانتخابات، حيث قالت بأنها «لا يمكن أن تقبله ولا أن تكون شريكة فيه»، داعية إلى تحديد نسبة الحسم التي لا تتجاوز (5,1%)، وإقرار مبدأ التمثيل النسبي الكامل.

وعليه، فقد بدت الأمور معقدة، إلى حد لم يعد متاحاً معه من حل سوى الاتفاق على تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة سنتين، بعد أن كان الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية يطالب بانتخابات مبكرة قبل انتهاء ولايته في التاسع من يناير الماضي، حيث يقدر بعض المصادر أن عباس يراهن على حدوث متغيرات سياسية في المنطقة لصالح عودة انطلاق مسار المفاوضات بزخم جديد، وهو ما قد يعيد خلط الأوراق في الساحة الفلسطينية لصالح عودة حيوية حركة فتح إلى الشارع.

أما حركة حماس فإنها تقدر استحالة إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية في ظل الظروف الراهنة، وهي تراهن على إمكانية تحسن الظروف قبل انتهاء السنتين المقبلتين.

وانطلاقاً من الوقائع التي أفضت إليها الجلسة السادسة من ناحية عجز الطرفين الفتحاوي والحمساوي عن التوصل لتفاهمات نهائية، فان القاهرة اقترحت موعداً آخر نهاية الشهر الجاري، وتحديداً من 25 إلى 28 يوليو، لإعطاء حركتي فتح وحماس فرصة لإجراء مزيد من المشاورات لإنهاء القضايا العالقة.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy