حاول كثيرون التركيز على معنى الثقافة، وكانت الحصيلة عدم وجود تعريف واحد للثقافة، ولا نريد الخوض تفصيلاً في هذه المسألة، فهذه مقالة تفرض الاختصار والمباشرة في طرح الموضوع.

تتأثر الثقافة بالواقع ونتاج قيم وسلوك وأساليب حياة الإنسان والجماعة والمجتمع. وفي مجتمعاتنا الخليجية حدث التفاعل الثقافي العربي عبر عقود من الزمان، كما وفدت إلى المنطقة ثقافات أخرى مع المهاجرين ولها مشكلاتها التي لا مجال لطرحها هنا. فالثقافة إنتاج ذهنياً لمتميزين في المجتمع، ويجب أن يكون المثقف فاعلاً وناقداً للواقع، ولديه رؤية واضحة لقضايا المجتمع وإشكالياته في الحاضر، تمتد للمستقبل. وكثيرون الذين يدّعون بأنهم مثقفون لأنهم تعلموا أو كتبوا، ولكن ماذا تعلموا أو كتبوا؟ فهذا أمر آخر، وهم في حقيقة الأمر ليسوا مثقفين حقيقيين. هناك معايير واضحة لكون الإنسان مثقفاً، لكن مرحلة التصحر الثقافي تسمح للطارئين على الثقافة بأن يدعوا الثقافة وهم غير مثقفين.

كيف ننظر إلى الثقافة والمثقفين في ضوء ما سبق ونطبق ذلك على واقعنا في منطقة الخليج والوطن العربي؟ سنركز في هذه المقالة على التراجع الثقافي وأسبابه في منطقة الخليج العربي والذي ترتب عليه تصحر ثقافي.

تشهد منطقتنا والعالم العربي منذ عقود مداً استهلاكياً وضعفاً علمياً، وفساداً إدارياَ ومالياً لم تشهده دولها من قبل. إن المجتمعات عادة تخرج من التخلف إلى التطور، خاصة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وتختلف درجات التطور في هذه المجتمعات، لكن ما حدث ويحدث هو النكوص والتراجع عن مستوى مكتسبات ثقافية تحققت، وتحولات نوعية في التعليم وغيره يمكن ان تكون بداية لنهضة حقيقية في هذه الدول، والسؤال هنا هو: ما هي أسباب التراجع الثقافي في مجتمعاتنا خلال الماضي القريب والحاضر الذي نعيشه؟

ورداً على سؤال أسباب التراجع الثقافي في منطقتنا، يمكن إجمالها بالآتي:

1-تحول في الحياة الاقتصادية إلى الحياة الاستهلاكية وانعكاس ذلك عل الثقافة والمثقفين.

2-ضعف وتردي التعليم، والتعليم أساس التقدم عندما يكون نوعياً ومرتبطاً بالثقافة، حيث يشهد التعليم ضعفاً خطيراً في دولنا.

3-وجود ثقافة تقليدية نمطية مغلقة بسيادة وسيطرة تيار ديني وهيمنته على كل مناحي الحياة ومحاربته للثقافة الجادة، واستمر ذلك لفترة طويلة منذ الثمانينات من القرن العشرين.

4-عدم توفر مناخ الحرية والديمقراطية الحقيقية في بلداننا، مما أدى إلى انحسار ثقافي والى محاربة وتهميش المثقفين الحقيقيين.

5-أزمة المثقفين في واقعنا وعدم قدرتهم على اختراق حصار الثقافة وتراجع نقدهم لسلبيات الواقع، ونتيجة لذلك ظهر على السطح أدعياء الثقافة وهمش وقزم المثقفون الحقيقيون.

6-عدم الاهتمام الكافي بالثقافة على مستوى دولنا، ولم تصبح بعد من الأولويات في برامجنا حيث انشغل الشباب في همومهم ومشاكل حياتهم اليومية، كما لم تحظ الثقافة ومؤسساتها بالرعاية والدعم الكافيين على مستوى الدولة.

7-وجود قياديين إداريين لشؤون الثقافة ليس لديهم أي انتاج ثقافي، سواء قبل أن يستلموا هذه المواقع الثقافية أو أثناءها، حيث أصبح وجودهم واستمراره لاعتبارات سياسية واجتماعية أحد معوقات الثقافة وأسباب تراجعها.

هذه برأينا أهم أسباب التراجع الثقافي في بلداننا، ومن المؤكد ان هناك أسباباً أخرى. وإذا أردنا أن نضع حداً للتصحر الثقافي، علينا أن نواجه سلبيات ومعوقات الثقافة ونعالج أسباب ذلك التراجع التي ذكرنا أهمها.

ومن ملامح الوضع الثقافي في دولنا أن الثقافة كانت شأناً مجتمعياً نوعياً ثم تحولت إلى الشأن الحكومي، فالسلطة أدركت أهميتها وهذه قد تكون خطوة إيجابية وقد تكون سلبية، كما أن الثقافة الدينية بعد تسييسها في العقود الثلاثة الماضية خوفاً من الحرية الثقافية والتعددية، قد أثرت سلبياً على الثقافة فانزوى المثقفون، وحورب بعضهم واتهموا أحياناً بالكفر والزندقة! إلى جانب تقاعس المثقفين وتراجع أو عدم وجود حركة نقدية نشطة للواقع الثقافي.

بعد تشريح الوضع الثقافي ومفهومه والوقوف على أسباب ضعفه وتردي أوضاعه، لا بد أن نفكر بالمخرج من هذا الواقع، فما هي أسس البناء الثقافي وازدهار الثقافة؟

أولاً: ارتباط الثقافة بالتعليم، بأن يكون التعليم نوعياً ومتقدماً وان يرتبط بالثقافة العضوية النوعية، فليس الهدف أن نعطي طلبتنا معرفة بدون البعد الثقافي لتلك العلوم، وهذه مسألة تحتاج إلى توضيح وشرح أكثر، ومن الصعب طرحها كلها في مثل هذه المقالة.

ثانياً: أن تكون هناك قناعة لدى قيادة مؤسساتنا العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بأهمية الثقافة في حياة الإنسان وفي عمله، وهذه تغرسها قيم مجتمعية وتعليمية يكتسبها الإنسان منذ نشأته في البيت والمدرسة والمجتمع.

ثالثاً: وجود جو الحرية في المجتمع، فكيف نبني ثقافة تساهم في بناء أوطاننا ما لم يشعر المثقف بانه حر في تفكيره، وقادر على نقد الواقع بحرية دون محاربة أو ضغوط؟

رابعاً: مواجهة كل أسباب التدهور الثقافي السابق ذكرها حتى تنهض بالشعوب، فليس في الثقافة شيء اسمه «لننس الماضي ونفكر في الحاضر»، فالشجرة تكون خضراء إذا كانت جذورها سليمة وتتغذى بشكل جيد، والشجرة في الحاضر وجذورها في الماضي، والثقافة امتداد عبر الزمن لا يمكن انقطاعها عن ماضيها وهي لا تبنى في يوم وليلة، وهي ليست حكراً على مجال دون غيره أو على نخبة دون غيرها.

وخلاصة القول إن ثقافتنا في الحاضر متخلفة وتعيش حالة من التصحر الثقافي، وإن الاحتباس الثقافي يحتاج تحولاً وتغييراً أساسياً، وهذه مسؤولية تاريخية يجب أن يتحملها المثقفون الحقيقيون.

كاتب كويتي

dr.tamimimalek@yahoo.com