قد يبدو وصف ما جرى ويجري في موريتانيا الآن بالملحمة السياسية، نوعا من المبالغة لدى بعض من يغفلون الدروس الإيجابية التي تغني الممارسات الحيوية للسلطة وللمعارضة معا، بإدراك واضح للمسؤولية الوطنية وبالأساليب الديمقراطية، عندما تمسكت الإرادة الشعبية بل والإرادة الحاكمة بأن الشرعية الدستورية هي القاعدة وأن الانقلابات والفترات الانتقالية هي الاستثناء.. ولا يرون في مسارات الأحداث في هذه الجمهورية العربية الإسلامية إلا جوانبها السلبية عبر سلسلة أزمات سياسية قادت إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية أو العكس، باستثناء العهد الدستوري الأول بقيادة الرئيس الراحل المختار ولد داداه الذي تلا الاستقلال عن فرنسا عام 1960.

ومع الانقلاب العسكري الأول عام 1978 بدأ عهد الانقلابات العسكرية الموريتانية، حتى انقلاب العقيد «ولد الطايع» عام 1984 الذي فرض على البلاد عهدا من الفساد والاستبداد على مدى أكثر من عشرين عاما، فاردا في سماء البلاد علم إسرائيل في تحد للإرادة الشعبية ولمعظم القوى السياسية الموريتانية والعربية والإسلامية.

غير أن هذه الانقلابات وإن تجاوزت النظم الدستورية التقليدية، إلا أنها خصوصا في عهد العقيد «ولد فال»، والجنرال «ولد عبد العزيز»، والتي نتجت عن أزمة شرعية أو أزمة ديمقراطية في المؤسسات الدستورية، اعتبرت نفسها حركات تصحيحية لأدوات الحكم الشرعية وللممارسات غير الديمقراطية، وحرصت على تثبيت الدستور واستمرار البرلمان وإجراء انتخابات حقيقية.

لكن ما نقصده بالملحمة هنا هو تلك المواقف الوطنية والديمقراطية للأطراف الثلاثة الرئيسية للأزمة الموريتانية، الممثلة في الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله، والجنرال محمد ولد عبد العزيز قائد الحركة الانقلابية الأخيرة، وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه، والقوى المساندة لهم، بالتنازلات السياسية المتبادلة في حوارات وطنية شاملة، هدفها إنقاذ المستقبل وليس محاكمة الماضي.

لقد بدأت هذه الملحمة الوطنية في الواقع مع عهد العقيد أعلي ولد فال، حين لم يخلف وعده بفترة انتقالية يمهد البلاد فيها لانتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة شهد لها الجميع، وتسليم الحكم من العسكريين إلى الرئيس الذي ينتخبه الشعب، وبالفعل دخلت البلاد في عهد مدني ديمقراطي دستوري جديد.. وتوالت هذه الملحمة في أزمة الانسداد الديمقراطي حينما وقفت غالبية البرلمان ضد رئيس الحكومة، بينما لم يقف الرئيس مع البرلمان بل وقف مع الحكومة وهدد بحل البرلمان، فتحرك الجيش لا بمنطق انقلابي بل تصحيحي، واعدا بالعودة للحكم الشرعي الدستوري عبر انتخابات جديدة مفتوحة للجميع بمن فيهم الرئيس المعزول.

وعلى مدى عشرة شهور منذ انقلاب الجنرال وعزل الرئيس، بدأت أزمة سياسية عاصفة بين الأقطاب الثلاثة، ولكن ما أثار الاحترام هو حرص الجميع برؤى مختلفة على الشرعية والديمقراطية، وعبر وساطة الاتحاد الأفريقي برعاية الرئيس السنغالي «عبد الله واد»، أعطي أطراف الأزمة الثلاثة دروسا في التوافق الوطني بالحوار الديمقراطي في العاصمة السنغالية داكار.

أولهم الرئيس ولد الشيخ عبد الله، بالموافقة على تشكيل الحكومة الانتقالية لتنظيم انتخابات رئاسية جديدة، ثم بتنازله الطوعي عن الرئاسة وعدم ترشيح نفسه، وكان الرجل رائعا بتسامحه وطيبة نفسه وهو يقول لمن عزلوه «لا تثريب عليكم اليوم»!.. وثانيهم الجنرال ولد عبد العزيز بالاستقالة من المجلس العسكري، وبتسليم المعارضة الوزارات الحساسة لعملية الانتخاب في الحكومة الجديدة، وثالثهم زعيم المعارضة أحمد ولد داداه وكل القوى المعارضة الأخرى الذين أعلنوا معارضتهم بشكل سلمي وسياسي وبدون عنف وبدون شغب، وهذا درس في الحكم مثلما هو درس في المعارضة.

mamdoh77t@hotmail.com