ما يجري على أرض القدس والضفة الغربية، هو بالتأكيد سطو صهيوني مسلح على الأرض والتاريخ والتراث.. وما يجري هو انتهاك صارخ متواصل لكل المواثيق والقرارات الدولية.. وما يجري هو استخفاف بالعرب واحتقار سافر لهم ولمبادرتهم للسلام.. وما يجري تغطيه دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة! يمكن أن نقول إن تلك الدولة ترتقي إلى مستوى أكبر مافيا للأوطان والأراضي والممتلكات على وجه الكرة الأرضية.

فماذا نحن فاعلون فلسطينياً وعربياً في ضوء كل ذلك؟!.

سؤال كبير عاجل ملح على الأجندات الفلسطينية والعربية.. وعالمياً أيضاً، بينما يجمع العالم كله تقريباً اليوم من أميركا إلى أوروبا إلى الأمم المتحدة، ناهيكم عن الإجماع العربي والإسلامي، على رفض الاستيطان الصهيوني، إلا أن إسرائيل تستحضر دائماً وتعمل وفقاً لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون كما يلي: «ليس المهم ما يقوله الغوييم ــ أي الآخرون ــ وإنما المهم ما يفعله اليهود»...! .

ولكن ما يفعله اليهود الصهاينة هذه الأيام أنهم يشنون حروباً مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حرباً من نوع خاص بهم على الأرض الفلسطينية تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها إلى نهرها، على أنقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيها.

وليس ذلك فحسب، فهم يغطون عملياً السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالأيديولوجيا والأساطير الدينية، فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك قائلاً: «إن الانتقادات الدولية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية سخيفة، لأن الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب أن يرحلوا إلى مكان آخر» (ا.ف.ب – 2009/5/30)!.

وفي السياق وجّه ما يسمى بـ «حاخامات أرض إسرائيل» رسالة تحمل في طياتها تهديداً صريحاً وواضحاً لرئيس الحكومة نتانياهو (الذي لا يحتاج قطعاً إلى تهديد)، ينصحونه بألا يقوم بخطوات متسرعة من قبيل ترك ما أسموه «أرض إسرائيل» لأعدائها، لأنها ستجلب كارثة على الإسرائيليين وعلى نتانياهو بشكل شخصي، حسب تعبيرهم.

المحلل الإسرائيلي ألوف بن في صحيفة هآرتز (20/6/2009) يذكر بالجوهر الحربي للاستيطان قائلاً: إن المستوطنين لا يختبئون خلف شعارات نتانياهو في الزيادة الطبيعية والتطور الطبيعي التي تهدف إلى التخفيف من الضغط الأميركي، فهم لا يخجلون في حربهم مع الفلسطينيين أساساً من إقامة وقائع على الأرض من أجل استمرار السيطرة الإسرائيلية.

وأوري أفنيري رئيس تحرير مجلة «هعولام هزيه» سابقاً كما كتب في معاريف قائلاً: «إن الحرب الحقيقية تدور رحاها على الأرض في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من: الخرائط والقرارات، والأوامر العسكرية، وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ومستقبل ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة أو الموت»، وفي مقالة أخرى له نشرتها معاريف يؤكد أن «مفاوضات التسوية الدائمة ستار من الدخان يتواصل خلفه النزاع الإسرائيلي ــ الفلسطيني بكل عنفوانه.

وتشن إسرائيل معركة حثيثة لترسيخ سيطرتها في كل أرجاء الضفة الغربية، فما يجري على الأرض يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام.. إذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة، معركة ترمي إلى تحويل كل قرية ومدينة فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة إسرائيلية، هذه ليست من عمل متعصبين مجانين، بل معركة مخططة جيداً تتواصل في عهد الليكود والمعراخ على حد سواء، والهدف منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة..».

وعملياً على امتداد مساحة الأرض في الضفة الغربية، لم يتوقف بلدوزر التجريف والاستيطان عن العمل في جسم الضفة، إذ تكشف لنا أحدث عناوين مشهد الاستيطان ونهب الأراضي العربية، النقاب عن معطيات مذهلة حول مناطق نفوذ المستوطنات وامتداداتها وتداعياتها على مستقبل الوحدة الجيوـ ديموغرافية الفلسطينية، وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية التي لا تزال تراوح في دائرة الحلم التاريخي!.

فعلاوة على قرار مصادرة (1345كم2) ما بين القدس والبحر الميت، يشير تقرير للأمم المتحدة مثلاً إلى «أن 38.3% من أراضي الضفة واقعة تحت سيطرة المستوطنات الإسرائيلية» (حتى مارس 2008).

ولكن لترتفع هذه النسبة إلى «40% من الضفة الغربية تقع تحت سيطرة الإمبراطورية الاستيطانية» كما وثق رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية الدكتور صائب عريقات (5/6/2009م).

كما تشير المعطيات إلى أن عدد المستعمرين اليهود في الضفة الغربية تضاعف 39 مرة خلال الأعوام 1972-2007، بل إن الدكتور مصطفى البرغوثي قال إن «وتيرة التوسع الاستيطاني زادت منذ آنابوليس بمقدار عشرين ضعفاً عما كان عليه الحال قبل ذلك»، موضحاً أنه لا يوجد تفسير لتسارع وتيرة الاستيطان سوى أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بجميع تلك المناطق.

وعن خرائط الاستيطان والجدران والتهويد ومناطق العزل والمصادرة، كشف الدكتور جاد إسحاق مدير معهد الأبحاث التطبيقية «أريج ــ القدس» النقاب عن الخطة الإسرائيلية الرامية إلى مصادرة مساحات واسعة من جنوب الضفة الغربية وعزل الجنوب عن الوسط والشمال، إضافة إلى تهويد المدينة المقدسة وإكمال جدار الفصل العنصري بضم أكثر من 14.4% من الضفة الغربية عملياً، وعزل أكثر من 38% منها وخاصة في الواجهة الشرقية (غور الأردن).

وعلى نحو مكمل تفيد المصادر الفلسطينية ان المخطط الإسرائيلي التهم حتى الآن حوالي 40-50% من الضفة والذي مازال ساري المفعول، مشيرة إلى أن الحركة الاستيطانية الإسرائيلية أعلنت عن خرائطها وتصوراتها للحل مع الفلسطينيين، والذي يتضمن حصرهم في معازل على مساحة 35% من الضفة، في حين تقوم إسرائيل بالتهام بقية الأراضي!

إذن، هي حروب شاملة، حروب على الأرض والشعب الفلسطيني، تتقدمها حروب الاستيطان والضم والتهويد، وهي سطو مسلح حقيقي يتسابق مع عملية المفاوضات والسلام العقيمة المماطلة، وتهدف إلى تطويب الضفة الغربية جزءاً من «أرض إسرائيل إلى الأبد».

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com