تمكنت الإمارات من تحقيق فوز مستحق على كل من ألمانيا والنمسا، نتيجة انسحابهما من المنافسة على استضافة مقر المنظمة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا)، في اليوم الأول من اجتماعات الدول الأعضاء في المنظمة التي انعقدت في شرم الشيخ بمصر يوم الاثنين الماضي. هذا الفوز يعني عدة أمور.
أولاً، ان هذا الفوز لم يكن للإمارات وحسب، بل كان لجميع دول الجنوب أو الدول النامية التي كانت دائماً تسعى إلى أن تكون شريكاً مع دول الشمال أو الدول المتقدمة في صياغة حلول حول مشكلات وقضايا العالم، إلا أن الأخيرة عادة ما تتجنبها وتضع قضايا العالم لاسيما المتعلقة بالبيئة حكراً لها دون غيرها. فوز الإمارات بحق استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة كأول استضافة لدولة من دول الجنوب أو النامية لوكالة دولية.
إنما هو إعلان من الدول الإفريقية والآسيوية ـ باعتبارها تمثل الطرف الأكبر في عضوية الوكالة ـ بأنهم أصحاب كلمة مختلفة وانه قد حان الوقت لصوتهم أن يسمع. ثانياً، إن فوز الإمارات باستحقاق استضافة مقر أيرينا إنما يعزز من دور الأمم المتحدة القيادي ويبعدها عن الاحتكار من قبل الدول الغربية والدول الصناعية المتقدمة لمقار وكالاتها الدولية، وبالتالي فإن ذلك يعد اعترافاً منها بدور دول الجنوب أو الدول النامية بحقها في أن تكون شريكاً في قضايا العالم، لاسيما في موضوع البيئة والاهتمام بكوكب الأرض.
وثالثاً، إن هذا الفوز هو تعزيز دولي لمكانة دولة الإمارات وقدرتها على لعب دور فاعل في المجتمع الدولي، وأن ما تقوم به من نشاطات في مجال خدمة البيئة العالمية، من إنشاء مدينة «مصدر» الصديقة للبيئة وتقديم الجوائز الدولية في مجال البيئة، إنما هي نشاطات رائدة وذات تأثير كبير في مجال حماية البيئة، وهي أيضاً نشاطات مقدرة للإمارات من قبل دول العالم. كما أن هذا الفوز يعتبر أيضاً اعترافاً دولياً بأن الإمارات غدت ينظر إليها من قبل الدول المتقدمة على أنها نموذج يمكن أن يحتذى به في مجال العمل على حماية البيئة والنهوض بسلامة كوكب الأرض، لاسيما بين دول الجنوب أو العالم النامي.
«أيرينا» بالطبع ستكون منظمة مهمة على المستوى العالمي وذلك لعدة اعتبارات. أول هذه الاعتبارات هو أن هذه المنظمة تختص بموضوع غاية في الأهمية بالنسبة للعالم بأسره، ألا وهو موضوع البيئة وتعمل على حماية كوكب الأرض من مخاطر التلوث البيئي من خلال الترويج والتطوير للطاقة المتجددة كبديل عن الطاقة الأحفورية غير المتجددة المستخدمة حالياً.
وهو ما يعتبر واحداً من أهم حقول المعرفة في المستقبل. ثاني هذه الاعتبارات هو أن هذه المنظمة تتمتع بعضوية عدد كبير من دول العالم وصل إلى 129 دولة، ومؤشر الانضمام لهذه المنظمة في تزايد مستمر من قبل الدول الأخرى التي لم تنضم بعد. والاعتبار الثالث والمهم جداً هو أن هذه المنظمة تضم في عضويتها الولايات المتحدة، وهو ما يعتبر تعزيزاً لهذه المنظمة ودورها، خاصة إذا ما علمنا بأن انضمام الولايات المتحدة هذا يعتبر هو الانضمام الأول للولايات المتحدة في منظمة دولية منذ عقود من الزمن، وانضمام الولايات المتحدة يعتبر عاملاً مهماً ومعززاً لنجاح أي منظمة، باعتبار أن الولايات المتحدة الدولة السياسية والاقتصادية والتقنية الأولى في العالم. كل هذه الاعتبارات من شأنها أن تعزز من مكانة «أيرينا» الدولية وأن تفتح أمامها المجال لتكون منظمة مهمة وناجحة، وبالتالي فإن وجودها على أرض الإمارات يعتبر مكسباً للإمارات.
ما كان لهذا الفوز أن يتحقق بالطبع لولا توافر ثلاثة عوامل أساسية ساعدت على تفوق الملف الإماراتي عن غيره، وهي: أولاً الدعم غير المحدود المقدم من القيادة السياسية العليا في دولة الإمارات، لضرورة الاهتمام بالبيئة بشكل عام ولضرورة الحصول على مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة بشكل خاص. هذا الدعم كان حاضراً وبشكل قوي، وكان له بالغ الأثر في الحصول على استحقاق استضافة «أيرينا».
ثانياً نشاط الدبلوماسية الإماراتية غير المسبوق في تاريخ الإمارات، والذي استطاع أن يجيش وفي فترة وجيزة فريقاً كبيراً من الدبلوماسيين والمتخصصين، لإقناع الدول الأعضاء في أيرينا بضرورة دعم الملف الإماراتي. فمنذ توقيع الإمارات على النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة في السادس والعشرين من يناير الماضي، قامت وفود رسمية إماراتية بزيارة كبار المسؤولين في نحو تسعين دولة حول العالم، لإقناعها بدعم ملف الإمارات.
هذه الدبلوماسية أتت بنتائج مثمرة، حيث ان العدد الأكبر من أعضاء الوكالة قد أعربوا قبل عملية التصويت عن دعمهم لملف الإمارات، مقارنة بعدد أقل للمنافس الأكبر ألمانيا.
إن انسحاب ألمانيا والنمسا قبل إجراء عملية التصويت لاختيار الدولة المستضيفة للمنظمة، إنما هو دليل واضح على قوة الملف الإماراتي وعلى نجاح الدبلوماسية الإماراتية في حشد التأييد الدولي لصالح الإمارات، وهو ما يكتب لصالح الدبلوماسية الإماراتية التي طالما انتظرنا منها نجاحات كبيرة على مستوى السياسة الخارجية تعيد الحيوية لها ولدولة الإمارات. فهذا النشاط الدبلوماسي سيدخل التاريخ على أنه أكبر تحرك دبلوماسي إماراتي في تاريخ نشأة الدولة الاتحادية، حيث لم يسبق هذا النشاط نشاط دبلوماسي بهذا الحجم لكسب التأييد الدولي لاستضافة الإمارات لأيرينا. وثالثاً هو تمتع الإمارات بوجود العديد من المزايا اللوجستية المهمة التي تحتاجها أية منظمة دولية كبيرة مثل أيرينا. فالإمارات فيها مطارات دولية على درجة عالية من الكفاءة، وفيها فنادق متعددة وبنية تحتية رائعة ومنشآت ومساكن من طراز عال؛ كما أنها تنعم بالأمن والأمان ويعيش فيها أفراد من أنحاء مختلفة من العالم، مما يجعل مدنها كأبوظبي ودبي مدناً عالمية بحق. لعل فوز الإمارات باحتضان مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
يوضح لنا جلياً أن الدبلوماسية الإماراتية قادرة على أن تحقق مصالح الدولة وتدافع عن حقوقها إذا ما سُخرت لها كل الإمكانيات الدبلوماسية، بل إنها قادرة على أن تقارع الكبار وتجعلهم يستسلمون أمامها. لذلك فإن هذا الأمر يفتح المجال أمام الدبلوماسية الإماراتية كي تنشط في قضايا أخرى مهمة ما زالت عالقة، كقضية الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران وقضية خروج الإمارات من الاتحاد النقدي الخليجي، وكذلك في العمل على الدفع نحو احتضان الإمارات لمناسبات عالمية كالأولمبياد الرياضية مثلاً.
بل إن هذا النجاح يمكن أن يؤسس لدبلوماسية إماراتية ناجحة عربياً في سبيل إيجاد حلول لقضايا عربية عالقة، سواء في فلسطين أو السودان أو الصومال أم قضايا إسلامية كباكستان وأفغانستان. لذلك علينا استثمار نجاح الدبلوماسية الإماراتية والبناء عليه نحو نجاحات أخرى على الصعيدين الداخلي والإقليمي لأن ذلك يمثل مصلحة إماراتية.
جامعة الإمارات