لم يعد ممكناً بأي حال من الأحوال الاستمرار في هذه «المهزلة»! لم يعد ممكناً أن يدفع الشعب المجاهد في فلسطين المزيد من الدم والمعاناة والعذاب اليومي، بينما يجد البنادق الفلسطينية لا تتوجه إلى صدور العدو المحتل، بل إلى صدور الإخوة المتصارعين على السلطة الوهمية! لم يعد ممكناً أن يحدثنا كل فريق عن ضرورة المصالحة الوطنية ثم يجد ألف عذر لكي يسد الطريق إليها! لم يعد ممكناً أن تسيل الدماء بين الإخوة الأعداء في فلسطين المنكوبة، لأن البعض يرفع راية المقاومة والبعض يرفع راية التفاوض.
بينما الحقيقة الوحيدة التي يعيشها شعبنا المجاهد في فلسطين هي الحصار، لم يعد ممكناً التغني بمصالح الوطن والأمة ثم يفاجئنا الأشقاء بتأجيل الاتفاق على إنهاء صراعهم، بسبب الخلاف على جملة تتعلق بإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين.. والحديث هنا ليس عن 11 ألف أسير في سجون إسرائيل، بل ـ ويا للخجل والعار ـ عن أسرى حماس في سجون السلطة بالضفة، وعن أسرى فتح في سجون حماس في غزة!!.
لا أعتقد أن لدي أو لدى غيري المزيد ليقال عن كارثة الانقسام الفلسطيني. ولكن هناك موعد أخير بعد ثلاثة أسابيع للتوصل إلى اتفاق بين حماس وفتح، أو هكذا قيل. فلماذا لا نساعدهم على ذلك إذا صدقوا؟ ولماذا لا تتفق كل وسائل الإعلام العربية المقروءة والمرئية والمسموعة على إنهاء أي إسهام في بقاء الخلافات الفلسطينية؟ ولماذا لا تكتفي الصحف وشاشات التلفزيون ومحطات الإذاعة العربية بنداء ثابت لا يتغير حتى موعد اللقاء الحاسم في القاهرة بعد ثلاثة أسابيع.. نداء يعلو فوق كل الخلافات ليقول للأشقاء في فتح وحماس: «من أجل فلسطين.. تصالحوا أو انصرفوا»..؟ ولنتركهم جميعاً بعد ذلك لضمائرهم ولحكم الشعوب. ولا أظن أن حكم شعبنا في فلسطين المجاهدة ـ مهما كانت الظروف ـ سيتأخر، لأن القادم خطير، والمسؤولية عنه سوف سيتحملها كل من ساهم في خلق الانقسام الفلسطيني واستمراره، مهما كانت النوايا طيبة ومهما كانت الأهداف نبيلة!
إن حكومة نتانياهو لا يمكن أن تتخلى عن الاستمرار في سياسة الاستيطان في الضفة والقدس العربية. قد تلجأ للتحايل أو حتى الإيقاف المؤقت، ولكنها لن تستسلم للمطلب الأميركي بالإيقاف الشامل والدائم للاستيطان، لأن ذلك يعني الإقرار بأن الاتفاق الشفهي المزعوم بين بوش وشارون بالسماح بتوسيع المستوطنات، هو اتفاق لا وجود له كما أكدت الإدارة الأميركية على لسان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. والأخطر ـ بالنسبة لحكومة نتانياهو ـ أن الإقرار بـ «عدم شرعية» التوسع في بناء المستوطنات، سوف يقود بالضرورة للحديث عن «عدم شرعية» بناء المستوطنات كلها، وبالتالي الإقرار بأن الأراضي العربية التي استولت عليها إسرائيل عام 1967 بما فيها القدس، هي «أرض محتلة»، وليست أرضاً «متنازعاً عليها» أو «أجزاء من أرض إسرائيل» قامت باستردادها كما تزعم إسرائيل! ومن هنا كانت الرسالة التي جسدها الإعلان عن برنامج جديد للاستيطان في الضفة، في نفس الوقت الذي كان وزير الدفاع الإسرائيلي يتجه لواشنطن ليتحدث عن حلول وتسويات!!
وإذا كان «تسريب» الوثائق الخاصة بالبرنامج الجديد للاستيطان أمراً مفهوماً في إطار الصراع مع الإدارة الأميركية حول الوقف الكامل للنشاط الاستيطاني، فإن علامات استفهام كثيرة تدور حول «تسريب» وقائع اجتماع الرئيس الفرنسي ساركوزي مع نتانياهو، وما قيل عن مطالبة ساركوزي لنتانياهو بالخلاص من وزير خارجيته ليبرمان. فالرئيس الفرنسي يعلم أن الحديث لن يظل سراً مع وجود عدد من الوزراء والمساعدين الإسرائيليين، وهو يعلم أن ما يقوله سوف يعتبر في إسرائيل تدخلاً في شؤونها الداخلية يضع صعوبات أمام بديل معروف أن الإدارة الأميركية تراهن عليه في حالة إطلاق خطة تسوية سياسية تكون قابلة للتفاوض عليها، حيث ترى واشنطن أن خروج ليبرمان وبعض الأحزاب اليمينية المتشددة سيكون وارداً، ليكون هناك تحالف بين نتانياهو وليفني وباراك، يؤمن حكومة أكثرية قوية على اتخاذ القرارات الصعبة.
لقد كان ليبرمان مقاطعاً من ساركوزي ومن معظم الحكومات الأوروبية، واضطرت إسرائيل لإرسال شيمون بيريز ثم باراك للتفاوض في واشنطن بعد فشل نتانياهو ومقاطعة ليبرمان، فهل كانت مطالبة ساركوزي بالخلاص من ليبرمان أمراً ضرورياً في هذه المرحلة، أم أنها ستكون فرصة لتقوية مركزه ودعم حكومة نتانياهو من رأي عام يميل نحو اليمين ويرفض مثل هذا التدخل الخارجي؟ وهل سيكون الرد الإسرائيلي مزيداً من التشدد، وربما إشعال المنطقة بعدوان جديد يقطع الطريق على مخططات واشنطن ويطيل عمر حكومة نتانياهو ـ ليبرمان؟ أم أن حديث ساركوزي يعني أن الحل ـ من وجهة نظره ـ قادم بالضرورة، وأن على الجميع أن يستعد له، لأن المجتمع الدولي سيكون وراءه وسيسعى لفرضه على الأرض. وبهذا المعنى فإن ما يعنينا ليس بقاء أو رحيل ليبرمان أو حتى نتانياهو، وإنما أين نحن من هذا الحل؟! وهل سنكون مستعدين للتعامل معه بما يحفظ مصالحنا أم سنكون مازلنا مشغولين بالإفراج عن أسرانا في سجون فتح وحماس..؟! ولله الأمر من قبل ومن بعد!
كاتب مصري
