ظلت ارض فلسطين ـ ولا تزال ـ مسرحا لانتهاك كل المحرمات الدولية على اختلاف اشكالها سواء فيما يتعلق بالضحايا من البشر ام دمار الشجر والحجر، ولم يتحدث احد عن تعويض الفلسطينيين عن خسائرهم. بل أن التاريخ يسجل لاسرائيل منذ قيامها اعمالا عدوانية كان اهدافها مبعوثون من الامم المتحدة ونشطاء سلام وافراد الجيش البريطاني وغيرهم، كانوا جميعا اهدافا لعمليات إرهابية اسرائيلية متعمدة وسابقة التخطيط.

كما سبق أن اغرقت اسرائيل سفينة التجسس الاميركية (ليبرتي) بشكل عمدي. وابتلع الاوروبيون والاميركيون والامم المتحدة كل هذه الإهانات وسكتوا عن تزويد دولة الاحتلال بكل اصناف الاسلحة ، حتى جاءت الحرب العدوانية على غزة في آخر ديسمبر وثلثي شهر يناير الماضيين. فزادت اسرائيل من معيار دمارها واستهدفت كل ثابت ومتحرك، كعادتها ، لكن المدهش هو تعهد اسرائيل بدفع تعويضات عن الأضرار (المادية) التي سببها عدوانها على ممتلكات الأمم المتحدة في القطاع. واذا كان الاعتراف سيد الأدلة والاستعداد لدفع التعويضات برهان على عمدية وترصد التخريب لهذه المؤسسات ، فهل يكفي ان تقبل الامم المتحدة هذه التعويضات؟.

بالطبع التفسير الوحيد لهذا (التنازل) الاسرائيلي هو الشعور بقوة ضغط الرأي العام العالمي هذه المرة على نحو يضر كثيرا بمستقبل هذه الدولة العدوانية ، التي وفرت القناعات حتى لاصدقائها وداعميها ان استعدادها للعدوان ليس له حدود.

وقد سبق تعهد اسرائيل بدفع التعويضات للامم المتحدة امس تصريح قوي من أكبر دولة دافعة للتعويضات لاسرائيل (المانيا) حيث قالت المستشارة الالمانية (ميركل) امس الاول في برلمان بلادها أن المستوطنات تشكل خطرا على عملية سلام الشرق الأوسط وباضافة الإصرار الاميركي على وقف المستوطنات يتضح إلى أي حد اصبح الضغط متزايدا على اسرائيل من كل حدب وصوب ، بدافع شعور داعميها أن ثمة خطرا أخذ يلحق مصالحهم في الشرق الاوسط وخارجه نتيجة الاستمرار في غض الطرف عن اعتداءات اسرائيل.

ولا بد سيأتي اليوم الذي تدفع فيه اسرائيل تعويضات عن كل ضحية من العرب وعن كل حجر او شجر تم تخريبه، ولكن حين تشعر اسرائيل بخطر الاستمرار في تجاهل الحقوق العربية. وكم كانت عدوانية قوات الاحتلال في مصادرة سفينة روح الإنسانية وغيرها من السفن القاصدة غزة اشارة واضحة الى شعور العداء المعتمل في نفوس الاسرائيليين، ومن ثم فإن مزاعم التخفيف من وقع الحصار على القطاع هي مجرد دعاية اعلامية جوفاء تندرج في اطار محاولة التخفيف من الضغوط الدولية حيث يتزايد عدد المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني ومع تزايدهم يزداد الضغط على سلطات الاحتلال حتى تصل حتما إلى حد الانفجار.

ولنا أن نتساءل: ألم تكن الشهيدة التي سقطت امس بقذيفة دبابة اسرائيلية في غزة ضمن من يستحقون التعويض ام انها سقطت عرضا في حرب يختلط فيها المسلحون بالمدنيين العزل كما بررت اسرائيل سقوط الضحايا خلال عدوان يناير الماضي؟. لقد دخلت عليها القذيفة منزلها ودمرته وصعدت روحها إلى بارئها تشكو له ظلم الناس وتجاهل المؤسسات الدولية . فلتنعم الأمم المتحدة بالتعويض ولكن متى سيتم تعويض الفلسطينيين عن الخسائر التي الحقها الاحتلال بهم، ومن سيعوضهم؟.