فوز الإمارات بثقة العالم لاستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، يمثل حدثا وطنيا متعدد الأبعاد وجديرا بالاحتفال، 12 دولة حضرت اجتماع الوكالة الدولية في شرم الشيخ منحت ثقتها للإمارات، بعد انسحاب المنافسين الكبيرين ألمانيا والنمسا، بعدما وضح لهما من واقع ملف الجدارة وقوة دفاع الوفد الإماراتي والوفود العربية السبعة أن استحقاق الإمارات باستضافة مقر «الطاقة الخضراء» في «مدينة مصدر الخضراء» في أبوظبي هو الأكثر قبولا بين الوفود.
وفي الواقع فإن هذا الفوز ليس إنجازا وطنيا فقط، بل وعربيا أيضا، مثلما عبر عن ذلك سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية رئيس وفد الإمارات في هذه الاجتماعات، معتبرا أنه مثار فخر لكل عربي، فهذا الحدث يمثل كسبا حقيقيا للعالم النامي كله ولدول الجنوب كلها، ليس في الإقليم العربي الإسلامي فقط، بل في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية المظلومة سياسيا واقتصاديا وعلميا وإعلاميا في علاقاتها مع دول الشمال..
إذ تستأثر دول الشمال المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ليس فقط بمقار كل المنظمات الأممية ووكالاتها المتخصصة، بل أيضا بالسيطرة على معظم الرئاسات، وليس أدل على ذلك من أن نيويورك الأميركية مثلا هي مقر منظمة الأمم المتحدة بجمعيتها العامة التي تمثل برلمان العالم، وبمجلس أمنها الذي يمثل حكومة العالم، ولا يغيب عن ذلك احتكار الطرفين وحدهما لجميع رئاسات (بالتعيين) ومقار وخزائن كل من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي منذ إنشائهما وحتى الآن!
إن استضافة الإمارات ل«إيرينا» برئاسة فرنسية، يشكل فاصلا جديدا في العلاقة بين الشمال والجنوب، ذلك أنه لأول مرة تختار دولة نامية عربية لتكون مقرا لمنظمة أممية دولية، وكون هذا تم عن جدارة أقرها العالم، يؤكد أن مكانة الإمارات تضعها على الخريطة العالمية كأحد مصادر التقدم، وليس النفط فقط..
هذا الفوز بثقة العالم في المنافسة مع دولتين كبيرتين من دول الشمال الأوروبية إحداهما، وهي النمسا، مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية فضلا عن كونها مقر منظمة الأوبيك التي تمثل الطاقة الأحفورية، يثبت أن الإمارات رغم كونها إحدى دول الجنوب النامية فهذا يضعها في مصاف الدول المتقدمة، ورغم كونها صغيرة الحجم جغرافيا إلا أنها أصبحت كبيرة الوزن إنسانيا ونهضويا.
على أن الانجاز الأهم وطنيا وإقليميا وعالميا معا هو التوجه العالمي بصورة جدية نحو الاستثمار العلمي والمادي في تطوير مصادر واستخدامات الطاقة المتجددة كمصدر إضافي أو بديل للطاقة التقليدية الأحفورية القابلة للتناقص أو للنضوب يوما ما، والتي لها تأثيراتها السلبية على البيئة، أو للطاقة النووية بكلفتها العالية وبمحاذير استخداماتها، وباحتكار بعض دول الشمال لتقنياتها ومنشآتها وتجهيزاتها ومنع دول الجنوب من امتلاك حتى حق المعرفة العلمية أو التقنية العملية، فضلا عن دورة التخصيب للحصول على الوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعلات للاستخدامات السلمية، ولو تحت الرقابة الدولية، بحجج مختلفة!
إن الطاقة المتجددة النابعة من الشمس والرياح والمياه والحرارة الأرضية التي يطلق عليها «الطاقة الخضراء»، هي طاقة المستقبل النظيفة والرخيصة، والأهم أنها الطاقة التي لا تنضب، ونحن في هذا الشرق الأولى بالاهتمام بها والأجدر بمقرها وبأبحاثها من الغرب، لأننا بلاد الشمس، ولأن الشمس تشرق من الشرق، وان كانت تغرب في الغرب!
كاتب مصري