تفاجئنا بعض الفضائيات العربية وبعض المؤسسات الإعلامية في العالم العربي من حين لأخر بممارسات إعلامية وبتقديم مادة إعلامية ـ ستار أكاديمي، تلفزيون الواقع، المسلسلات البرازيلية والمكسيكية ...الخ ـ لا صلة لها لا بالقيم ولا بالأخلاق ولا بأي شيء يتناغم مع المنطق والواقع والمجتمع.

إن الاهتمام بعنصر الشباب في العالم العربي يعتبر من أولى الأولويات من حيث التنشئة الاجتماعية والتثقيف والتوعية والتربية والتعليم، حيث إن الشباب يمثل أكثر من 70% من السكان في الدول العربية ويعتبر الثروة الحقيقية لأي بلد. وبذلك يأتي الاستثمار في جيل المستقبل وفي ثروة البلاد كخطة إستراتيجية ومنهج محوري ورئيسي لأية دولة عربية.

لكن هل يعني كل هذا أننا نقدم رسالة إعلامية هابطة للشباب بحجة أن «هذا ما يريده الشباب ويتلاءم مع أذواقه وحاجاته». هل يحق للمؤسسات الإعلامية ولمسؤوليها وللقائمين بالاتصال تذويب الشباب في ثقافة الغير والقضاء على النسيج الأخلاقي والقيمي للمجتمع وتحطيمها؟

هل يحق للمؤسسات الإعلامية تهميش وتسطيح الأصالة والثقافة والهوية والشخصية العربية؟ هل يحق لهذه المؤسسات تغريب الشباب وسلخه من جذوره الحقيقية ومن قيمه العربية الإسلامية؟ هل يحق للمؤسسة الإعلامية أن تنحرف وتنجرف وتسيء للأخلاق ولكرامة الإنسان وهي التي تدخل مجالس الناس بدون استئذان؟ أسئلة كثيرة تراود كل من له غيرة على أصله وشرفه وأخلاقه وقيمه بعدما تخطت بعض المؤسسات الإعلامية في العالم العربي كل حدود الأخلاق والقيم والالتزام.

في كل ما تقدم تستوقفنا أربعة إشكاليات رئيسية في الممارسة الإعلامية. أولا البعد الأخلاقي وثانيا المسؤولية الاجتماعية وثالثا الحرية المسؤولة ورابعا غائية الممارسة الإعلامية هل هي الربح أم الذوبان في الآخر أم التنشئة الاجتماعية أم تكريس الوضع الراهن أم التهميش والإقصاء أم ماذا؟

ونظرا للأهمية الإستراتيجية للممارسة الإعلامية ودورها المحوري في المجتمع فإنه من الأهمية بمكان على الصحافي والمؤسسة الإعلامية التقيد والامتثال للثوابت والمحددات والمستلزمات التي تحكم هذه المهنة والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

ـ على الصحافي في العالم العربي أن يضع نصب عينه الواقع الذي يعيش فيه بكل مكوناته وثوابته وعاداته وتقاليده، ولذلك يجب أن يبتعد عن التقليد الأعمى وعن بعض الممارسات الصحفية التي لا تنسحب ولا تنسجم مع المجتمع العربي الإسلامي ومع المستقبل في هذا المجتمع.

وكلنا يعلم الفراغ الديني الذي تتخبط فيه المجتمعات الغربية وكذلك المواضيع التافهة والساذجة التي تحتل في الكثير من الأحيان الصفحات الأولى من الجرائد وأوقات الذروة في الوسائل السمعية البصرية.

ـ إن حرية الصحافة هي مسؤولية اجتماعية قبل كل شيء، والمقصود بالمسؤولية الاجتماعية هو أن المؤسسة الإعلامية هي مؤسسة اجتماعية في خدمة المجتمع بمختلف شرائحه وفي خدمة الحق والمصلحة العامة، فحرية الصحافة ليست فوضى وليست التجريح وخدش الحياء والتعدي على خصوصية وقيم وأخلاق وآداب الآخرين. فما يصلح لثقافات ومجتمعات معينة لا يصلح بالضرورة للجميع ولمجتمعات لها عاداتها وتقاليدها ودينها.

فهناك قوانين وتشريعات ومواثيق شرق وضمير مهني لتقديم مادة إعلامية تخدم الحق وتكشف عن الواقع وتنير الرأي العام من أجل عطاء أكبر ومن أجل تصحيح الأخطاء والاقتداء بالمثل العليا وبالأخلاق والفضيلة. فالفرد في المجتمع له الحق في المعرفة وفي نفس الوقت له الحق في الخصوصية وصيانة حياته الخاصة.

ـ تقوم حرية الصحافة على احترام الحياة الخاصة للآخرين، ويجب على الصحافي أن يعرف حدوده ولا يتخطاها باستعماله قلمه ومنصبه لتحقيق أهداف وأغراض تكون بعيدة عن الكشف عن الحقيقة وإبلاغ الجمهور، وإنما الانحراف والابتعاد عن الضمير المهني وأخلاقيات المهنة لتحقيق مصالح شريحة أو فئة معينة على حساب المجتمع بأكمله.

ـ رسالة الصحافي في الدول النامية تتحدد قبل كل شيء في مهام نبيلة وفي أولويات محددة تتعلق بالتنشئة الاجتماعية والتوعية والتثقيف والتعليم وتصحيح الأخطاء والتجاوزات وتنوير الرأي العام من أجل عطاء أكثر وأداء أوفر.

ـ تهدف حرية الصحافة إلى خدمة الصالح العام من خلال الكشف عن الأخطاء والتجاوزات واستغلال النفوذ...الخ. فالمؤسسة الإعلامية هي منبر لتبادل الآراء والأفكار والمعلومات من أجل تمكين الرأي العام أن يساهم في التوجيه الرشيد لصانع القرار بهدف المصلحة العامة.

ـ حرية الصحافة هي ملك للشعب بكامله ولذلك يجب صيانتها والدفاع عنها وعدم الإساءة في استخدامها.

ـ الصحافي الذي يحترم نفسه وجمهوره ومصادر أخباره ومهنته هو الصحافي الذي يعمل بالصدق والدقة وعدم التحيّز والتقيّد باحترام حقوق الشعب ومراعاة الآداب العامة وهو الصحافي الذي يعمل ليل نهار من أجل المحافظة على سمعته واسمه وكذلك المحافظة على مهنته وسمعة مؤسسته. وليعلم الصحافي أن الجمهور ليس غبي ويستطيع أن يفرق بين «الدعاية المجانية» و«التطبيل والزغردة» و«التسبيح والتبجيل» والتملق وبين الصحافة الهادفة والملتزمة.

لقد أدى التطور التكنولوجي السريع إلى غزو الفضاء وتقليص المسافات وعالمية الكون حيث أصبحت القرية العالمية حقيقة وغزت ثقافة «الماكدونالد» مختلف بقاع العالم وجاءت ثقافة النظام الدولي الجديد لتفرض ثقافة أحادية تقودها الشركات المتعددة الجنسية التي تسيطر على المركب الصناعي العسكري الاتصالي. وهذه الشركات تنشر عبر وسائل الإعلام العالمية الثقافة العالمية التي تنفي الثقافات الأخرى وتنشر الثقافة التي تخدم أهداف ومصالح هذه الشركات.

وجاءت بعض الفضائيات العربية لتصبح فرعا من فروع هذه الشركات المتعددة الجنسية تعلن عن منتجاتها وتروّج لسلعها وقيمها وأفكارها.

وأصبحت دون أن تدري صندوق بريد يستعمل لتوزيع منتجات الآخرين. فبدلا من مواجهة الغزو والقيم الدخيلة ونشر الثقافة المحلية والقيم العربية الإسلامية أصبحت القنوات العربية في غالبيتها، من خلال المنتجات المعلبة، وسائل تابعة تدور في فلك آلة إعلامية عالمية تروّج قيم الأقوى اقتصاديا وسياسيا على المستوى العالمي.

والجدير بالذكر هنا هو كيف نقاطع الثقافة العالمية وكيف نستطيع أن نستفيد منها والمحافظة على ثقافتنا وتراثنا وحماية هويتنا الوطنية، والإجابة هنا تكمن بطبيعة الحال في الإنتاج والعمل وتطويع التكنولوجيا والعلم لخدمة أهدافنا ومصالحنا وفق ما نريده وما نخطط له.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae