أود في هذه المقالة الوقوف عند فيلسوف كان كل تركيزه على الإنسان، لكن لماذا يجب أن نركز على الإنسان؟
طبعا هناك أسباب فلسفية كثيرة سوف أتحدث عنها، لكني أود التنبيه إلى أن الإنسان هو محور التنمية الشاملة في أية دولة تريد التقدم. وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، على جعل المواطن محوراً مركزياً في خطط التنمية الشاملة.
من هذا المنطلق السياسي المرتبط بالظرف الإماراتي الراهن، أقف عند جان جاك روسو (1712 ـ 1778) الفيلسوف الفرنسي الشهير، خاصة أن اسمه مرتبط بطرق التربية وبيان الاتجاهات الجديدة للتنمية الاجتماعية. وهو ما نحتاج إليه كثيرا اليوم في دولتنا الاتحادية.
ولا توجد مبالغة في أن جان جاك روسو كان من أكبر الفلاسفة والأدباء في عصر التنوير. وهي فترة من التاريخ الأوروبي، تقع في القرن الثامن عشر الميلادي.
وهنا أؤكد مجددا للقراء الأعزاء أن الفلسفة ليست بعيدة عن الواقع، وليس الفلاسفة أناسا يعيشون في أبراج عاجية معزولين عن المجتمع.
فللفلاسفة الفضل في تحريك الأحداث الكبرى في التاريخ، وجان جاك روسو من أكبر الشواهد على هذا، فقد كان لفلسفته دور كبير في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية.
وخاصة أن فلسفته تؤكد على أن القوانين يتعيّن عليها أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب.
وأي نوع من الحكم يمكن أن يكتسب الصفة الشرعية مادام النظام الاجتماعي القائم ديمقراطيا. واستنادًا إلى ما يراه جان جاك روسو، فإن كافة أشكال الحكم تتجه في آخر الأمر إلى الضعف والذبول. ولا يمكن كبح التدهور إلا من خلال الإمساك بزمام المعايير الأخلاقية، ومن خلال إسقاط جماعات المصالح الخاصة.
وفي روايته الطويلة «إميل» أعلن جان جاك روسو عدة توصيات أراها مهمة لمجتمعنا الإماراتي، منها:
1 ـ ضرورة إعطاء الحرية للطفل حتى يعبر عن مواهبه وأفكاره.
2 ـ وجوب أن تكون الدروس جذابة وبعيدة عن الملل.
3 ـ من الضروري أن يتجاوب المعلم مع اهتمامات الطفل.
4 ـ ان الأطفال، ينبغي تعليمهم بأناة وتفاهم.
5 ـ تغليب المشاعر والعواطف على العقل والتفكير، والنزوة والعفوية على الانضباط الذاتي.
6 ـ التحذير من العقاب الشديد.
ربما كثير من هذه المبادئ نحن بحاجة للاستفادة منها في أساليب التربية في الإمارات، وإذا كان يجب علينا أن نتأمل أفكار روسو في التربية، وهي أفكار مفيدة حقا، خاصة ما يتعلق منها بطرق التعليم،.
لكن ما يجب أن نتحفظ عليه ـ في ضوء التقاليد الإماراتية الراسخة- هو مقدار فتح باب الحرية أمام الطفل، لا شك أن الحرية أمر بالغ الضرورة لتربية الطفل المبدع المتوازن، لكن من وجهة نظرنا لابد في الوقت نفسه من الإمساك بزمام الأمور وعدم فتح الباب على مصراعيه أمام سلوك الأطفال.
فقدر من الحرية التي لا يترتب عليها ضرر أمر يجب الدعوة إليه، لكن من الضروري كبح نزعات العدوان والانفلات عند الأطفال حتى لا يخرجوا إلى المجتمع مستهترين غير شاعرين بالمسؤولية.. فلا حرية منفلتة، ولا تشدد مفرط.. وخير الأمور دوما هي الوسطية..
ومن المحطات الرئيسية في فلسفة روسو معارضة النظام الاجتماعي القائم، حيث قدم أفكارا مهمة جدا، مثل انتقاد المجتمع في رسائل عديدة.
ففي رسالته تحت عنوان «بحث في منشأ وأسس عدم المساواة»، هاجم الظلم وعدم المساواة، وانتقد بشدة زيف المبادئ الأخلاقية التي رآها في مجتمعه.
ويتضح هذا في مقاله «بحث علمي في العلوم والفنون» الذي قدمه إلى مسابقة أكاديمية ديجون عام 1750، حيث هاجم روسو العلوم والفنون لإفسادها الإنسانية. وكانت هذه هي إجابته على سؤال المسابقة، وهو: «هل إحياء النشاط في العلوم والفنون من شأنه الإسهام في تطهير السلوك الأخلاقي؟».
وأكد جان جاك روسو في إجابته أن المجتمع يُفسد الناس من خلال إبراز ما لديهم من نزوع وميل إلى الأنانية والعدوان. ويؤكد روسو على عكس كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع أن الناس ليسوا مخلوقات اجتماعية بطبيعتهم، معلنًا أن من يعيشون منهم على الفطرة معزولين عن المجتمع، يكونون ذوي نزعة عاطفية ومتسامحين، ولا توجد لديهم ميول تدفعهم إلى إيذاء بعضهم بعضًا. ولكنهم ما إن يعيشوا معًا في مجتمع واحد حتى يصيروا أشرارًا!
وهكذا أجاب روسو بأن إحياء العلوم والفنون من شأنه إفساد السلوك الأخلاقي!
وعلى غير المتوقع فاز بالجائزة.
ونحن من جانبنا نختلف مع روسو في هذه النقطة، فهو يرى أن البشرية زادت في الفساد رغم التقدم العلمي والفني. فالجانب الذي نختلف معه فيه هو الربط الجذري بين إحياء العلوم والفنون وإفساد السلوك الأخلاقي، وأنا أرى أن الأخلاق ليست بالضرورة ضد العلوم والفنون، وأن على البشرية ألا تركز اهتمامها فقط على العلم وتترك الأخلاق، بل عليها أن تنمي الاثنين معا، فالعلوم والفنون جوهر الحضارة، لكنها سوف تجر الدمار على الإنسانية إذا لم تلتزم بمبادئ الأخلاق. ولذا علينا أن لا نضحي بالأخلاق من أجل العلم والفن.
وإذا كانت البشرية وقعت في هذا الفخ من قبل، فعليها أن تتجنبه في المستقبل، فلا قيمة لفن أو علم دون أن يكون مصحوبا باستقامة السلوك وصحوة الضمير.