رسالة الصداقة والتعاون الروسية التي وجهها الرئيس ميدفيديف إلى العالم العربي من قاعة الاجتماعات بجامعة الدول العربية، تختلف في معناها ومبناها ومرماها عن رسالة السلام والاحترام الأميركية التي وجهها الرئيس أوباما إلى العالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة..
إلا أن الرسالتين رغم اختلاف القاعات والمنصات ومدى الاهتمامات الإعلامية العربية والإسلامية بكل منهما اتفقتا في كل الأحوال في هدف واحد هو الرغبة في مزيد من التفاهم والتعاون مع العرب والمسلمين دخولا من بوابة العالم العربي الذي هو جزء من العالم الإسلامي أو من بوابة العالم الإسلامي الذي يضم تحت مظلته العالم العربي من عاصمة بلد عربي وإسلامي واحد هو مصر مقر الجامعة العربية، وحاضنة الأزهر أبرز الجوامع الإسلامية.
ولم يكن ذلك غريبا على مصر أو من رئيسي أكبر دولتين في العالم، فالتنافس على مصر بين القوتين العظميين قديم ومايزال مستمرا مع اختلاف الأهداف والوسائل لكل منهما، فمصر كانت في منتصف الخمسينات هدف المشروع الأميركي الأول لفرض النفوذ في عهد الرئيس الأميركي «أيزنهاور» لوراثة الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي الفرنسي «باسم الدفاع عن الشرق الأوسط» كان الهدف الأميركي مزدوجا الأول هو تأكيد النفوذ الأميركي وإبعاد النفاذ الروسي، والصلح مع إسرائيل والعداء مع روسيا.
وذلك تطبيقا لنظرية اختلاق العدو البديل الشيوعي بدلا من الصهيوني، بصلح مصري إسرائيلي وحلف عربي إسرائيلي بقيادة أميركية ضد ما كانت تسميه بالخطر الروسي على المنطقة والعالم، مثلما أوقعوا العرب في الفخ بصنع العدو العراقي البديل للعدو الإسرائيلي واصطناع تحالف عربي أميركي ضد بلد عربي تحاول عبثا أن تفعل الآن باختلاق العدو الإيراني البديل للعدو الإسرائيلي الحقيقي واصطناع تحالف عربي إسرائيلي ضد بلد إسلامي..
لكن رد جمال عبد الناصر باسم شعب مصر كان استراتيجيا وواعيا ومتوازنا وهو أن لا أحلاف مع الغرب ومد يده إلى الشرق، وانتهج سياسة عدم الانحياز بين القوتين الكبيرتين حتى لا يقع تحت ضغط أحادي لأي من القوتين، أو يكون الشريك الأضعف مع أحد الكبيرين، وأكد أن لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل وأنه لا خطر يهدد المنطقة سوى إسرائيل ومد بصره إلى العرب!
ومصر كانت أيضا هدف المشروع الروسي لتحقيق النفاذ السياسي لاختراق النفوذ الغربي في المنطقة والوصول إلى شواطئ المتوسط لفك طوق الأحلاف الغربية حولها، باعتبار مصر بوابة الوصول إلى المنطقة العربية والقارة الإفريقية التي كانت العديد من دولهما مازالت تكافح ضد الاحتلال لتحقيق استقلالها السياسي، باعتبارها جبهة الحرب الرئيسية في ذلك الوقت ضد الاستعمار الغربي بشكله القديم..
ومع طبيعة العلاقات العربية الروسية التي اتسمت بتاريخ طويل من الصداقة والتعاون والكفاح المشترك ضد الاستعمار القديم والجديد رغم المد والجزر فيها ورغم مواضيع الخلاف الأيديولوجي حولها والسياسي حول غزوها لأفغانستان أو قمعها للتمرد في الشيشان فلقد كانت وعادت بشراكة استراتيجية داعمة للتنمية، وراعيا موازيا لأميركا بدعوتها لمؤتمر موسكو للسلام توازيا مع مؤتمر أنابوليس لإطلاق المفاوضات..
ولاختلافها عن طبيعة العلاقات الإسلامية الأميركية، التي اتسمت بعدم الثقة نتيجة تاريخ طويل من التدخلات في شؤون الدول الإسلامية بالانقلابات والغزو والاحتلال والمؤامرات بهدف الإطاحة بنظم مناهضة وتولية نظم موالية للسيطرة على المنطقة.
كان طبيعيا أن تختلف الرسالتان الأميركية والروسية للشعوب العربية والإسلامية مبني ومعنى وهدفا ووسيلة ومضمونا وصياغة، الأميركية استهدفت إنهاء الكراهية والعداء، والروسية استهدفت تجديد الصداقة وبناء الشراكة.
كاتب مصري