منذ قرار طرد القاعدة الأميركية من أوزبكستان عام 2005، ومن بعده قرار قيرغيزيا بطرد القاعدة الأميركية من أراضيها في العام الماضي، والولايات المتحدة وحلف الناتو يشعران بمأزق كبير في أفغانستان لعدم وجود محطات إمدادات قريبة، ولم تيأس واشنطن من بذل المساعي للعودة لقاعدة ماناس في قيرغيزيا، وقد حققت نجاحا ملحوظا في الأيام الماضية، فقد صادق البرلمان القرغيزي على الاتفاقية حول إنشاء مركز ترانزيت أميركي في مطار «ماناس» ببشكيك لدعم القوات الدولية والعمليات العسكرية في أفغانستان.
وتنص الاتفاقية على أن القاعدة ستتحول إلى نقطة ترانزيت للإمدادات اللازمة لأفغانستان، وستحصل خزينة الحكومة القرغيزية من الولايات المتحدة مقابل ممر الترانزيت 60 مليون دولار سنويا، بدل 4 .17 مليوناً، التي كانت قيرغيزيا تحصل عليها مقابل القاعدة الجوية. وقد اعتبرت موسكو أن إنشاء مركز الترانزيت الأميركي في مطار «ماناس» ببشكيك، سيساعد في مكافحة الإرهاب.
وكان الرئيس القيرغيزي قد أعلن عن قرار إغلاق قاعدة «ماناس» وإجلاء القوات الأميركية خلال زيارته للعاصمة الروسية والتي حصل فيها على قرض بقيمة ملياري دولار أميركي ومنحة مالية قدرها 150 مليون دولار.
ويترافق قرار قيرغيزيا بمواصلة التعاون العسكري مع واشنطن مع مشاركتها الفعالة في عمل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وفى تشكيل قوات الانتشار السريع المنوط بها حماية أمن المنطقة.
ويبدو أن حكومة بيشكيك قررت الاستفادة من كافة الأطراف، وفتحت الباب أمام قوات مختلف الدول، ولعل الموقع الحيوي لقيرغيزيا كطريق إلى أفغانستان منحها هذه الإمكانية.
من المعروف أنه على الرغم من أن روسيا تعاني من تدهور علاقاتها مع الغرب بشكل عام والناتو بشكل خاص كانت تؤكد على ضرورة البقاء على قنوات التعاون فيما يخص أفغانستان، بل ورفضت استخدامها كورقة ضغط على الغرب، لم تمثله من تهديد مباشر لحياة أفراد القوات الدولية المتواجدة هناك. ولاشك أن لموسكو مصلحة مباشرة في نجاح القوات الدولية في تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها.
إذ أصبحت أفغانستان مصدر مشاكل وأخطار كثيرة تهدد أمن روسيا وغيرها من أعضاء منظمة شنغهاي، وقد بحث أعضاء منظمة شنغهاي في القمة الأخيرة التي عقدت بمدينة يكاتيرين بورج الروسية سبل مساعدة أفغانستان على بناء نظام سياسي عصري وفعال في البلاد، بمشاركة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي.
هذه الخطوات تقود إلى استنتاج واضح هو أن قرار الحكومة القيرغيزية بمواصلة السماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها جاء بعد مناقشات جادة استهدفت أمن واستقرار المنطقة. ولكن هذا لا ينفى أن لهذا القرار جوانب سلبية، كان يجب أخذها بعين الاعتبار.
لقد أصبح التواجد العسكري منتشرا في مناطق الفراغ السوفييتي بشكل متواز، حيث تتواجد القوات الأميركية في جورجيا وحوض البحر الأسود، وفي قيرغيزيا وفي أفغانستان...، ما يطرح تساؤلات حول آفاق التفاهم بين روسيا والغرب، باعتبار أن تواجد قوات الطرفين على أرض واحدة يمكن أن يثير حالة من التوتر والقلق. خاصة أن العديد من العسكريين الغربيين مازال يطلق تصريحات ساخنة عن خطر التعاون مع روسيا، وضرورة تقليم أظافرها، ومنعها من القيام بدورها كقوة إقليمية!
في نفس الوقت توسع التواجد العسكري الأميركي يزيد من إمكانية بسط النفوذ الغربي على منابع الثروة والطاقة، ويؤثر بالضرورة على مصالح دول المنطقة وبالدرجة الأولى على المصالح الروسية، لأنه يضع دول المنطقة بشكل مباشر تحت النفوذ الغربي، ويفتح قنوات مباشرة نحو أوروبا، تتجاوز روسيا وحلفاءها التقليديين في المنطقة، خاصة اذا ترافق ذلك مع ضم أوكرانيا وجورجيا إلى عضوية حلف الناتو، ليتم بذلك إغلاق الدائرة على روسيا، وعزلها عن بقية حلفائها.
لاشك أن هذا الوضع يطرح على الكرملين ضرورة بحث تسوية مع البيت الأبيض، تلتزم واشنطن بموجبها بإيقاف ضم أعضاء جدد للناتو لمدة 20-25 عاما، ما قد يمنح كافة الأطراف مهلة للمزيد من التفاهم، والتقارب، بدلا من الوقوع في فخ المواجهات المستمرة والذي يؤثر سلبا ليس فقط على هذه الدول سياسيا واقتصاديا، وإنما أيضا على حلفائهم.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني