«حينما يسير لاعب السيرك علي سلك رفيع ويسقط تنكسر رقبته، وحينما يسير القائد على سلك رفيع ويسقط تنكسر رقبة شعبه».. هذا ما ردده الزعيم السوفييتي الراحل «خروتشوف» حينما انحنى للعاصفة، وقرر ضبط النفس وسحب الصواريخ الروسية من كوبا إبان أزمة خليج الخنازير عندما كتم العالم أنفاسه عند حافة الهاوية.

قال هذا بشجاعة وفعل، استجابة لمسؤوليته عن عدم تعريض أمن شعب بلاده للخطر بالانزلاق إلى حرب روسية أميركية، واستجابة لنداء دول عدم الانحياز بنزع فتيل الأزمة قبل المواجهة لتجنيب شعوب العالم مخاطر حرب نووية، من واقع مسؤوليته عن السلم العالمي كزعيم لدولة عظمى فنال الاحترام.

وحينما وقف الرئيس الأميركي «أوباما» بالقوة الوحيدة الأكبر في العالم قائلا «إن قوتنا وحدها لا تستطيع أن تحمينا، ولا هي تخولنا أن نعمل ما نريد، أن قوتنا تنمو فقط عند استعمالها بحكمة ومسؤولية، وأن أمننا ينبعث فقط من عدالة قضيتنا، وقوة مثلنا وشيم التواضع وضبط النفس.. و«المطلوب منا الآن هو حقبة جديدة من المسؤولية، والإقرار بأن لدينا واجبات تجاه أنفسنا، والعالم».

فقد نال الإعجاب». هذا ما يقوله العقلاء وما يفعله المسؤولون الكبار في الدول الكبرى عند مواجهة الأزمات الكبرى، واضعين أمن شعوبهم ومصالح عالمهم قبل أيديولوجياتهم أو عنادهم أو كبريائهم الشخصي، فالمسؤولين العقلاء يختلفون عن المجانين غير المسؤولين، واللاعبين بالنار في موقع الحكم غير اللاعبين على السلك في موقع السيرك.

وذلك بالمخالفة لسلفه بوش الذي نال الازدراء، بكلماته المهددة بالقوة العسكرية والمشحونة بالغطرسة وبالإملاء والاستعلاء، وأفعاله التي اتسمت بالطيش واللامسؤولية في مغامراته الحربية المجنونة ضد العالمين العربي والإسلامي التي جلبت الكراهية لأميركا، وأودت بأميركا إلى الإفلاس وأغرقتها في الأزمات مع جل العالم !

وفي سعيه لإنقاذ أميركا مما أغرقها فيه بوش، فلقد تحرك أوباما بأقواله في زياراته مبشرا بالحوار مع الخصوم والأعداء بدلا من القطيعة، وبالرسائل الموجهة الداعية للسلام بدلا من الحرب، ولحل المشاكل الدولية بالحوار بدلا من النار، وبالعدالة بدلا من الظلم، ولفتح صفحة جديدة في علاقات أميركا بالعالم الإسلامي تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فقد رحبت شعوبنا وانتظرت التطبيق.

وفي الواقع بدأ الرجل بالفعل لإعادة إصلاح ما انكسر ووصل ما انقطع، وشرع في إعداد العدة للانسحاب من العراق، ووضع استراتيجية للخروج من أفغانستان، وعين مبعوثين رئاسيين لوضع تصوراتهم لحل الصراعات «ميتشيل لفلسطين» و«هولبروك لأفغانستان و«روس» لإيران، وآخر للسودان، وأرسل الوفود والرسائل إلى سوريا والسودان، ومد اليد لروسيا وإيران، وأعاد الحوار مع كوبا وفنزويلا..

وبينما أعاد سفيريه إلى دمشق وكاراكاس باستعادة التوازن هنا، كاد يفقده هناك، فبدلا من السلام مع الإسلام بالخروج من ورطات الحروب البوشية، نراه يزداد غرقا في أفغانستان بل وتورطا في باكستان بارتكاب أعمال العدوان فيسقط المئات من المسلمين الأبرياء بصواريخ الأميركان في انتهاك لحقوق الإنسان، ورغم الحذر ينزلق في إيران باسم حقوق الإنسان، وكأنه بفعل ضغوط المحافظين والصهاينة بدا كمن يسير بساق على الطريق الصحيح وبالساق الأخرى على السلك الرفيع! .. فحذار من الإنزلاق أو السقوط مثلما إنزلق ريجان وسقط بوش !!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com