رغم أن ما يحدث في أفغانستان وباكستان سوف يؤثر بشكل مباشر على مستقبل أوباما وحزبه بل ومستقبل بلاده عموما فلعلها ليست مبالغة القول أن الاختبار الأهم على الإطلاق الذي تواجهه ظاهرة أوباما هو ذلك الذي يتعلق بإصلاح نظام الرعاية الصحية.
ففي ذلك الموضوع وحده يمكن الوقوف على مدى قبول الأميركيين للخروج من أسر الأيديولوجيا والقوالب الجامدة والوقوف أيضا على مدى قدرة أوباما على أن ينقل التحول الأهم الذي حدث بانتخابه إلى أروقة الحكم.
فلعل أهم ما تعبر عنه ظاهرة أوباما هو أمرين، براجماتيته من ناحية والحركة السياسية الواسعة التي حملته للحكم من ناحية أخرى.
أما البراجماتية التي هي فلسفة أميركية بامتياز لها فإنها تقوم في جوهرها على البحث عن حلول للمعضلات الكبرى عبر البحث عن المشترك والسعي لتحقيق المصلحة ليس وفق قوالب جامدة وأفكار صماء وانما وفق الوصول إلى أفضل حل من بين الحلول (الممكنة).
بعبارة أخرى، فإن البراجماتية فلسفة ترفض الانغلاق الأيديولوجى وتسعى للاستفادة من أية أفكار أيا كان مصدرها الفكري طالما أنها تحقق المصلحة.
ورغم أن البراجماتية كما سبق القول فلسفة أميركية إلا أن أميركا في ثقافتها السياسية تتنازعها خيوط متعددة منها الميل نحو الطابع الرسالي الذي يدفع بالضرورة نحو تمترس وربما تعصب فكرى في أحيان كثيرة.
وليس واضحا حتى الآن ما إذا كانت أميركا تقبل براجماتية أوباما. فوفق كل استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الآن، لايزال الرجل يتمتع بشعبية كبيرة ولكن تلك الشعبية لا تنسحب على سياساته، فهي أقل شعبية من أوباما نفسه. بعبارة أخرى، فإن استمرار ارتفاع شعبية أوباما يتعلق بشخصه لا بأفعاله. وهو ما قد يكون مصدره الكارزما التي يتمتع بها أو المعنى الذي مثله انتخابه أو ببساطة أنه ليس «جورج بوش».
ومن هنا تأتى أهمية موضوع الرعاية الصحية كمحك رئيسي يمكن من خلاله الوقوف على موقف الأميركيين. فأوباما يدعو لإصلاح يقوم في جوهره على دور حكومي في تقديم الرعاية الصحية وتنظيم سوقها، وهى فكرة ليست جديدة بل مطروحة بأشكال مختلفة منذ عهد روزفلت ولكن كل الرؤساء الديمقراطيين قبل أوباما فشلوا في تمريرها بل اتهموا حين تبنوها بأنهم يسعون لحل «اشتراكي» لأزمة الرعاية الصحية.
ومن ثم فإذا ما نجح أوباما في تمرير خطته دون تنازلات كبرى لليمين بشأنها سوف يعنى أن تحولا مهما قد حدث في الثقافة السياسية الأميركية بعيدا عن الأيديولوجيا والقوالب الجامدة.
أما الجانب الثاني المهم في ظاهرة أوباما فهي ما جسده انتخابه. فالرجل لم يفز وفق حملة انتخابية عادية وانما كانت المسألة أقرب إلى الحركة السياسية الواسعة التي وقفت قواها وجماعاتها على اختلافها وراءه وحملته حملا للبيت الأبيض. وهو أدار حملة ممتازة استخدمت أدوات جديدة في الحشد والتنظيم، وتعاملت بذكاء مع جيش هائل من المتطوعين.
وبرعت في استخدام تكنولوجيا الاتصالات بدءا برسائل المحمول والبريد الإلكتروني ومرورا بالمواقع الإلكترونية المختلفة ووصولا إلى المدونات، حتى شكلت قاعدة بيانات تضم 13 مليون ناخب تتصل بهم بشكل منتظم وتشجعهم على الحركة بين الناخبين دعما لأوباما. ومن هنا فإن السؤال الأهم على الإطلاق الذي فرض نفسه منذ انتخاب أوباما هو ذلك المتعلق بتأثير تلك الحركة على عملية صنع السياسة في أميركا.
أي ما إذا كان أوباما سيستفيد من ذلك الزخم الذي حققه وقت الانتخابات من أجل تغيير المعادلة السياسية في واشنطن بعد أن نجح في تغيير الخريطة السياسية خارجها أم ستهزمه واشنطن بآلياتها والمصالح العاتية التي تهيمن عليها فيتحول إلى رئيس تقليدى.
والواضح أن أوباما أدرك بعد المعركة الضارية التي دارت بشأن مشروع قانون إنعاش الاقتصاد، والتي تكتل فيها الجمهوريون ضده ورفضوا حتى التوصل لحلول توفيقية معها رغم التنازلات التي قدمها لهم، أنه يحتاج إلى نقل الزخم الذي حدث وقت الانتخابات إلى أروقة الحكم. فصار يسعى للتواصل المباشر مع الناخبين وتفعيل الحركة التي حملته للبيت الأبيض عبر اللجوء لمن ناصروه في الانتخابات ليناصروه اليوم بشأن القضايا التي يتبناها.
ولعل موضوع الرعاية الصحية هو أنسب الموضوعات التي يمكن أن تجيب تفاعلاتها عن السؤال الخاص بقدرة أوباما على تغيير واشنطن.
فقصة أزمة الرعاية الصحية والفشل المتكرر في حل معضلتها تجسد في الواقع جوهر علة النظام السياسي الأميركي وأمراض عملية صنع القرار فيه. فمشكلة الرعاية الصحية كانت دوما في جوهرها أن أية محاولة جادة للإصلاح تصطدم مباشرة بمصالح قائمة طويلة من أعتى جماعات المصالح وأكثرها نفوذا.
فمحاولات الإصلاح التي بذلت طول القرن العشرين كان المسؤول عن وأدها جماعات قوية بدءا بالاتحاد العام للأطباء ولوبي التأمين ومرورا بلوبي الأدوية ولوبي الصناعات الطبية ووصولا لأصحاب الأعمال ولوبي البنوك فضلا عن لوبي مقدمي الخدمة الطبية والاتحاد العام للمسنين.
بعبارة أخرى، نحن إزاء فاعل سياسي جديد هو «حركة أوباما» يسعى الرئيس لإعادة تفعيله ليكون سنده في مواجهة الكونجرس وجماعات المصالح القوية.
وقد بدأ العمل فعلا على قدم وساق في شكل حملة منظمة في 32 ولاية لدعم إصلاح الرعاية الصحية. ومن هنا فإذا نجحت «حركة» أوباما فعلا في مواجهة جماعات المصالح سيكون ذلك إيذانا بنهاية السياسة كما نعرفها في أميركا وبداية مرحلة جديدة يتحرر فيها النظام الأميركي من أسر جماعات المصالح القوية.
كاتبة مصرية
