ليس من المبالغة في شيء القول أن حلول موعد البدء في سحب القوات الأمريكية من المدن العراقية بشكل تدريجي، وهو الموعد الذي يبدأ غدا الأول من شهر يوليو 2009 يشكل مناسبة على جانب كبير من الأهمية، ليس فقط للشعب العراقي الشقيق بكل فئاته وأطيافه وقواه السياسية، ولكن أيضا لمختلف دول وشعوب المنطقة، التي تتطلع إلى السلام والأمن والاستقرار في حاضرها ومستقبلها وتتمنى لو تركت لحالها لتقوم هي بصنع تقدمها ورخائها وفق مصالحها التي تحددها هي وبما يفي باحتياجاتها.

ومن الطبيعي أن تتجه الكثير من العيون إلى العراق خلال هذه الفترة لترى عمليات البدء في سحب القوات الأمريكية من المدن العراقية، خاصة وأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد أكد أكثر من مرة ، ليس فقط على التزام بلاده بتطبيق بنود الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية التي تم التوقيع عليها في أواخر العام الماضي - وهي الاتفاقية التي تنظم وجود القوات الأمريكية في العراق بعد انسحابه من المدن العراقية – ولكنه أكد أيضا على عدم رغبة بلاده في استمرار البقاء في العراق، وعلى عدم رغبتها في استغلال موارده وخاصة النفطية.

وإذا كانت الأيام القادمة ستظهر إلى حد غير قليل مدى سير الولايات المتحدة نحو تنفيذ التزاماتها في العراق، فإنه من الأهمية بمكان التأكيد على حقيقة هامة وهي أن الانسحاب الأمريكي من المدن العراقية لن يتم بمعزل عن التطورات والتفاعلات والأوضاع الأمنية في المدن العراقية من ناحية، ومدى قدرة القوات العراقية على القيام بدورها في حفظ الأمن والاستقرار في المدن والمحافظات التي تنسحب منها القوات الأمريكية من ناحية ثانية، وهو أمر طبيعي ومنطقي إلى حد بعيد.

على أية حال فإنه ليس من المصادفة على أي نحو أن تشهد الأيام الأخيرة تصاعدا حادا في معدلات وعنف العمليات والتفجيرات الإرهابية التي تتم ضد المواطنين العراقيين الأبرياء، في المدن والأسواق وحتى سرادقات الأفراح والتعازي وهو ما يدمي القلوب ويستثير، أو ينبغي أن يستثير كل القوى العراقية المحبة للعراق لكي تتضافر جهودها لوضع حد لمثل تلك العمليات التي تزيد خسائر الشعب والمجتمع العراقي والتي لا تؤثر على أي نحو تقريبا على القوات الأمريكية أو الدولية في العراق الشقيق.

نعم هناك قوى عديدة ومختلفة تريد أن تجعل من يوم الأول من يوليو 2009 يوما داميا ومدويا في عملياته الإرهابية للتأكيد على عدم قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الأمن في العراق، وللتشكيك أيضا في قدرة القوات العراقية على القيام بتلك المهمة بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية، ولكن الصحيح أيضا هو أن الشعب العراقي الشقيق ينظر إلى هذا الموعد كاستحقاق انتظره وتطلع إليه ويرغب في جعله بداية لمرحلة جديدة يتحقق فيها الاستقرار والأمن، وتعود فيها الطمأنينة إلى كل ربوع بلاد الرافدين .

ولأن ذلك لن يتحقق بمجرد الأماني أو الكلمات، فإنه من المهم والضروري أن تسعى كل القوى العراقية ودون استثناء من أجل تحقيق أوسع وأعمق قدر من التوافق فيما بينها، سواء لاستعادة الأمن والاستقرار، أو للدخول في مرحلة جديدة من حياة الشعب العراقي ينتقل معها العراق دولة وشعبا ومجتمعا، إلى حيث يتطلع العراقيون.

ومع الوضع في الاعتبار الجهود العديدة التي قامت وتقوم بها الحكومة العراقية وعدد غير قليل من القوى والقيادات العراقية خلال الفترة الأخيرة، سواء على الصعيد الأمني والعسكري، أو على الصعيد الاقتصادي والسياسي وغيره، فإن هذه الفترة تمثل بحق فترة تاريخية جديرة بأن تستفيد بها ومنها الدولة والشعب والمجتمع العراقي للانتقال إلى مرحلة بناء السلام والاستقرار واستعادة الأمن إلى ربوعه، وهو في ذلك يحتاج، ويستحق كل دعم عربي وإقليمي ودولي.