منذ توليه رأس هرم السلطة في فرنسا قام الرئيس ساركوزي بجملة من الحركات جعلته يكشف عن حقيقته شخصياً، وعمن يمثلهم حقيقةً. بداية قام الرئيس ساركوزي بربط السياسة الفرنسية الخارجية بأكثر سياسات الإدارات نشازاً ربما في التاريخ البشري. أعلن ساركوزي أن فرنسا تقف في الصف الأول مع الرئيس السابق للإدارة الأميركية جورج بوش الابن في حرب الأخير العالمية على ما سماه ب«الإرهاب الإسلامي».
أتبع الرئيس ساركوزي ذلك بجملة من القرارات التي تؤدي إلى جعل فرنسا حقيقةً وواقعاً دولة تابعةً خنوعةً للإدارة الأميركية. ذلك بما للأخيرة من نزوات تتميز بالصلف والكذب والعربدة وانتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان.
فرنسا مهد ومنشأ الثورة الفرنسية العظيمة. يعرفها العالم بأنها داعية لتطبيق العدالة الاجتماعية والإخاء والمساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان للجميع. لكن الرئيس ساركوزي وضع فرنسا على الخط الاستعلائي الاستكباري الإمبريالي التقليدي القديم، شديد التخلف.
بذلك يسارع الرئيس ساركوزي في رؤية فرنسا تزول نهائياً عن الخريطة السياسية للدول العظمى، عظمى حقيقةً أو خيالاً. دولة تمتاز عن غيرها بمستوى متقدم في احترام رأي وحرية الآخرين من أهل الثقافات والأديان والمعتقدات والآراء الشخصية.
آخر هرطقة للرئيس ساركوزي هو إعلانه عن حملة محمومة ضد لابسات البراقع. حسب وصف الرئيس ساركوزي، فإن البرقع في نظره يمثل واقعاً متخلفاً خنوعاً متقوقعاً يحرم صاحبته من التمتع بملذات الحياة والحرية.
إضافةً وعلى حد وصفه، فإن البرقع يجعل المرأة على قدر كبير من التحكم بها عن طريق الرجل. ينم ذلك التصريح والوصف عن ضعف واضح في فهم وتصوّر الثقافات الأخرى لدى الرئيس ساركوزي. ذلك ما يجب أن لا يليق أبداً بشخص رئيس لدولة عظمى، أو هكذا لا تزال تُحسب بسبب امتلاكها تقنية نووية وأسلحة متقدمة وقاعدة صناعية لا يُستهان بها.
يتواجد على الأراضي الفرنسية عدة مئات من لابسات البراقع. هؤلاء يتميزن بأنهن قمة في الحشمة والأدب والأخلاق والإحساس الخاص. هذا إلى جانب الالتزام المتميز بالقضايا الإنسانية الرفيعة النبيلة والدينية الروحية السامية.
مثلهن يتواجد عبر العالم الإسلامي ملايين النساء والبنات. من هؤلاء المبرقعات، والمنقَّبات والمحجَّبات، هنالك الرائدات والمفكرات والعباقرة والفذات في مختلف المجالات.
بالمقابل هنالك الملايين من النساء والبنات اللواتي ترضي بلباسهن ذوق الرئيس ساركوزي وأمثاله. من هؤلاء كذلك، وبدرجة أقل، ظهرن وتظهر الرائدات الفكرية والحياتية في هذا المجال أو ذاك. ليس باللباس يُحسب الإنسان ولا بالمظاهر الخارجية الشكلية التي قد تكون مخادعة مزيفة، وقد تعبر حقيقةً بشكل أو بآخر عما يجري في كيانه الداخلي.
ثم ما هو البرهان العلمي والعملي بأن الكاشفات المتحررات يتمتعن بحرية شخصية أكثر من لابسات البرقع والنقاب والحجاب وفي كل شيء؟! اللهم إلا من مظاهر شكلية يعتبرها الرئيس ساركوزي شيئاً مهماً في الحياة!
في ذلك الصدد لا يعادي الرئيس ساركوزي السامية اليهودية. لا يحاول تحرير المتدينين اليهود مثلاً من طاقيتهم ولحاهم وسوالف شعرهم الجانبية. لا يحررهم من الطرق الأخرى التقليدية في تصميم اللباس وتناول الطعام. لم يقم الرئيس ساركوزي بحركة واحدة مماثلة مع الأقلية اليهودية في فرنسا مهما تكن خجولة.
لم ينبس الرئيس ساركوزي ببنت شفة كرئيس لدولة عظمى مسؤولة عن انتهاكات إرهابية جد جريئة لحقوق الإنسان والأديان تجري في فلسطين المحتلة. تقوم بتلك الانتهاكات مجموعات قريبة عقائدياً من الرئيس ساركوزي والأقلية اليهودية في فرنسا. هذه المناطق احتُلت بأسلحة فرنسية الصنع بحتة، وبشكل حصري، وفي مقدمتها فخر نتاج الصناعة الجوية الفرنسية. لهذه المجموعات امتدادات على الأراضي الفرنسية، وهناك تأخذ كامل حريتها.
لا يذهب الرئيس ساركوزي بعيداً قليلاً في التحرش ب«السامية البوذية» مثلاً. ذلك بمحاولة خلع ثياب الرهبان وبزاتهم وتحويلهم إلى لبس البنطلونات والمايوهات الأوروبية. لا يتطرق المحرِّر البطل الرئيس ساركوزي العلماني بامتياز لأتباع ديانة «الشينتو» في اليابان أو حتى الكاثوليكية والبروتستانتية عبر العالم. في هذه الأخيرة ما عليه إلا أن يلم نفسه ومن معه ويبدأ بمداهمة ما تبقّى من أديرة الملتزمين في الكنائس وخلع ملابس رجال الدين والرهبان والراهبات.
الحرب المعلنة من الرئيس ساركوزي على الثقافة العربية والدين الإسلامي تسير من جانبه باتجاه وجانب واحد. لِمَ لا يكون الوضع كذلك؟!
لم يجد الرئيس ساركوزي ذلك الصوت المنطقي والواقعي والشجاع قليلاً ليعلمه أن أيةً من لابسات البراقع لا تقبل الرئيس يعلو مقامها بشيء واحد نبيل. يعلوه في السمو والأخلاق والمعاني النبيلة وحتى في تطبيق معنى الحرية التي يتشدق ويتبجح بها الزعيم الثيو-تلمودي من الطراز الأول.
في الخلاصة، فالرئيس الفرنسي يقوم بدور مزدوج مكشوف. فهو لا يحرك ساكناً إزاء المجموعات اليهودية ذات الخطر المشين على الإنسان والعقائد والأديان. في الوقت ذاته يهاجم النساء المبرقعات، والمحجَّبات والمنقَّبات، لا لشيء سوى أنه ليس للأخيرات من يحميهن.
لكن وكما قال «عبدالمطلب» جد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في عام الفيل عن الكعبة قبل 40 عاماً من ظهور النبوة، عشية تعرضها للغزو الحبشي، ان للكعبة رباً يحميها فإن للمبرقعات المحصنات رباً يحميهن.
جامعة الإمارات