حقق اليمين الأوروبي المحافظ فوزاً كبيراً في الانتخابات الأوروبية التي جرت يوم 7 يونيو الجاري، معززاً هيمنته السياسية على القارة القديمة، ومقدماً نفسه على أنه الدرع التي تحميهم من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية.ففي معظم بلدان الاتحاد الأوروبي جاءت الأحزاب المحافظة أو الليبرالية على رأس قائمة هذا الاستحقاق الانتخابي المخصص لانتخاب البرلمان الأوروبي الجديد، مما يضع اليسار الاشتراكي والاشتراكية الديمقراطية في مواجهة أزمة هوية.

ويشكل هذا الاستحقاق الانتخابي واحدة من المفارقات في أوروبا. فبينما لا تزال الفكرة الأوروبية حسب استطلاعات الرأي تحظى بشعبية في معظم البلدان الأعضاء، فإن الاتحاد الأوروبي كما يتم بناؤه في بروكسل، لا يحظى بالشعبية، لأنه تكنوقراطي جدا، وليس ديمقراطيا كفاية.ومع ذلك، فهو الاستحقاق الانتخابي الوحيد الذي يسمح للشعوب الأوروبية ببناء واحدة من مؤسسات الاتحاد، أي برلمانه،الذي بلغت نسبة المقاطعة فيه ما يقارب نحو 60 في المئة من أصل 388 مليون ناخب تمت دعوتهم لانتخاب 736 نائبا.

لقد عززت انتخابات البرلمان الأوروبي توجهاً محافظاً تبلور منذ نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي. فالبرلمان الأوروبي الجديد يكاد يتشابه مع البرلمان المنتهية ولايته. ويظل اليمين المحافظ القوة المهيمنة. إذ بقيت أحزاب يمين الوسط المتكتلة في إطار الحزب الشعبي الأوروبي القوة السياسية الكبرى في البرلمان الأوروبي بفوزها بنحو 267 من المقاعد ال736، في مقابل 288 من أصل 785 في البرلمان السابق.

وحصل الاشتراكيون والاشتراكيون الديمقراطيون على 159 مقعدا، وإن يكونوا قادرين على إحراز تقدم طفيف بفضل 20 نائباً للحزب الديمقراطي الإيطالي الذين سينضمون للمجموعة. ومع ذلك، فإن الاشتراكيين على اختلاف ألوانهم هم في تراجع كبير، ولم يستفيدوا من الإسقاطات المدمرة للأزمة الاقتصادية العالمية على واقع الطبقات والفئات الاجتماعية الفقيرة.

ويأتي الليبراليون في المرتبة الثالثة بعد المحافظين والاشتراكيين، من دون أن يطرأ على تمثيلهم تغيير كبير. أما الخضر، فهم يتقدمون، إذ حصلوا على 51 مقعدا في مقابل 43 مقعدا في البرلمان المنتهية ولايته.

ما يشغل بال الشعوب الأوروبية في هذه المرحلة الدقيقة، هي أزمة الرأسمالية العالمية، وهذا ما يفسر لنا عدم المبالاة الكبيرة التي أظهرتها تجاه أوروبا.فالبرلمان الأوروبي لم يلعب أي دور في «إدارة» الكارثة التي حلت بالشعوب الأوروبية والناجمة عن الأزمة المالية العالمية التي انطلقت شرارتها في خريف العام الماضي، كما أنه لم يقدم خططا لمعالجتها. الأزمة الاقتصادية العالمية خدمت مصلحة اليمين.

وهذه هي المفارقة الرئيسة من هذا الاستحقاق الانتخابي: ففي ظل سيطرة الكساد الاقتصادي الذي لا مثيل له، وفي ظل محاكمة الليبرالية الجديدة، كان الجميع يعتقد أن اليسار سيعرف كيف يستغل هذه الفرصة التاريخية التي مُنِحَت له لكي يأخذ زمام المبادرة السياسية، ويوجه انتقاداته إلى خصومه من اليمين، المدافعين عن سيطرة السوق، والذين يتحملون مسؤولية ما حدث.

لم يحصل أي شيء من هذا القبيل، بل إن المحافظين الذين يحكمون في أكثر من عشرين بلد أوروبيا، تجاوزوا الاشتراكيين والاشتراكيين الديمقراطيين.و الحكومات الاشتراكية الثلاث الباقية على قيد الحياة في الاتحاد الأوروبي تعرضت لخسارة: ففي بريطانيا مني حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء غوردون براون بهزيمة نكراء (15 في المئة) وانتقل إلى المرتبة الثالثة بعد المحافظين (29 في المئة)، وفي إسبانيا خسر الحزب الاشتراكي الذي يرأسه رئيس الوزراء خوسيه لويس رودرغيز زاباتيرو أربع نقاط. وكذلك، سجل اليمين في البرتغال، بلاد رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل دوراو باروسو، فوزا لم يكن متوقعا على اشتراكيي رئيس الوزراء جوزيه سوكراتيس.

وأخيرا، وافق الزعماء الأوروبيون (رؤساء دول وحكومات أعضاء الاتحاد ال27) الذين عقدوا قمتهم الأوروبية في بروكسيل يوم 18 يونيو الجاري، على تمديد ولاية خوسيه مانويل باروزو (البرتغالي الأصل) الرئيس الحالي للمفوضية الأوروبية (حتى تشرين الأول 2009) لولاية ثانية من خمس سنوات، رغم معارضة اليسار الأوروبي التجديد لباروسو بسبب اعتناقه النهج الليبرالي على الصعيد الاقتصادي، وتبعيته للسياسة الأميركية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org