في الأول من يوليو سينتهي فصل غريب من فصول رئاسة الاتحاد الأوروبي ويبدأ آخر قد يكون أكثر غموضا في ما يخص القضايا المختلفة المطروحة، لكنه سيصبح بلا شك أكثر جدية في طريقة التعاطي مع الملفات الحساسة المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط.
والغموض هنا ليس سوى صفة بريئة من الأوصاف التي أطلقت على الرئاسة السويدية باعتبار أن الملفات المطروحة أمامها كأولويات ستكون ضخمة وشاملة ، وبالتالي ليس معروفا بعد كيف سيتعامل معها الاتحاد الأوروبي من خلال رئاسته الجديدة.
أما الجدية في ملامسة ملفات الشرق الأوسط، فأنها ستكون حتما من أبرز سمات الأداء الدبلوماسي السويدي، الذي سيحاول في الحد الأدنى تمييز نفسه عن حالة المراهقة الدبلوماسية التي لازمت الرئاسة التشيكية حتى لحظاتها الأخيرة.
فما هي إذن أبرز العناوين التي ستميّز الرئاسة الجديدة خلال المرحلة المقبلة، وهل سيكون لمنطقة الشرق الأوسط حصة كبيرة فيها؟
حسب التصريحات الرسمية الصادرة عن السويد فإن تلك الملفات ستتركز في العناوين الكبيرة التالية لكن دون أن تنحصر فيها طبعا :
ـ مكافحة الأزمة الاقتصادية العالمية والتعامل مع آثارها على الاتحاد الأوروبي تحديدا.
ـ تقييم التغييرات المناخية العامة والعمل على مقاربة عناوينها المختلفة بشكل يأخذ بعين الاعتبار كافة وجهات النظر القائمة.
ـ الاستمرار بعملية توسيع الاتحاد الأوروبي والإضاءة بشكل أوضح على هذا الملف من خلال إعلان صريح عن التقدم أو الفشل الذي أحرزته بعض الدول المرشحة وفي مقدمتها كرواتيا وتركيا.
ـ واتفاقية لشبونة التي لا تزال تشكل مادة دسمة لإثارة الخلافات بين بعض الأطراف داخل الاتحاد الأوروبي.
وانطلاقا من هذه العناوين فإن المرحلة المقبلة ستكون معقدة بلا شك بالنسبة للسويديين، ذلك لأنها ستعتبر بالنسبة للبعض مرحلة التغييرات الكبيرة المترافقة مع نشوء هيكلية جديدة للبرلمان الأوروبي المنتخب حديثا وإعادة تشكيل البعثة الأوروبية، لكن الأهم لأنها ستشهد محطات حاسمة في مسألة دفع عملية المصادقة على اتفاقية لشبونة.
فهذه الاتفاقية أصبحت حاليا مركز الثقل في الصراع القائم على هوية أوروبا الموحدة، وستشكل في المستقبل القريب حجر الزاوية في الجدل الإيديولوجي بين التيارات الفكرية المختلفة. وفي سياق هذا الحشد الحزبي الشامل ستضطر السويد لإيجاد القواسم المقبولة (ولا أقول المشتركة) لجميع الأطراف، أملا بأن تتمكن من إيصال المشروع إلى خواتيمه السعيدة إذا لم نشهد المزيد من المفاجآت في كل من أيرلندا وربما بريطانيا.
بالترافق مع هذا الملف، فإن الرئاسة السويدية لن تقلل أبدا من أهمية القضايا الاقتصادية المطروحة بل ستعتبرها كما ذكرنا سابقا من أبرز العناوين التي ستميّز الأشهر المقبلة التي ستنهي العام 2009، وبالتالي فإن النشاط الدبلوماسي الحميم الذي ستشهده أوروبا سيكون له طابع اقتصادي واضح أملا بأن يتمكن الاتحاد من امتصاص تبعات تلك الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.
وفيما يتعلق بمسألة توسيع الاتحاد الأوروبي وضم الأعضاء الجدد الذين يخوضون منذ فترة طويلة مشروع الاستعداد والتلائم مع ما هو مطلوب منهم من تشريعات وخطوات جذرية، فإن التوقعات الصادرة عن بعض المراقبين تشير صراحة إلى احتمال حدوث مفاجآت على هذا الصعيد، لا سيما في ما يخص تفضيل طرف على آخر مثلما كان واضحا خلال الرئاستين الفرنسية والتشيكية (اللتان كانتا تدفعان باتجاه ضم كرواتيا قبل تركيا).
وفي هذا السياق صدر خلال الأيام القليلة الماضية مؤشرات تدل بوضوح عن احتمال دخول عنصر ثالث إلى هذا السباق هو أيسلندا، حيث تبين بأن هذه الدولة قد تكون قادرة على الالتحاق بركب الاتحاد الأوروبي قبل غيرها، لأنها بعكس الدولتين السابقتين ليست مثقلة بملفات خلافية كثيرة مع الاتحاد الأوروبي.
ومع انتهاء الرئاسة التشيكية يحق لنا أن نأمل بأن يكون الخَلَف أكثر وعيا في استيعاب قضايا الشرق الأوسط، وإن كنا لا نحلم بأنه سيكون قريبا جدا من الطموحات العربية. لكن المنطق يملي علينا على الأقل بأن نتطلع إلى أي دور موضوعي يمكن أن تلعبه السويد في سياق دفع مشروع السلام العادل، أخذا بعين الاعتبار أن الحلول الوسط المؤلمة ستكون حتما مطلوبة من الجميع من أجل تحقيق ذلك.
ولا شك بأن أهم ما سيكون مطلوبا في هذا السياق هو العمل من أجل استدراك الفشل الذريع الذي ميّز الرئاسة التشيكية في ما يخص مقاربة الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي تحديدا، وإعادة الاتحاد الأوروبي إلى الخط السابق الذي تميز بموضوعية وصفت بأنها على الأقل موجعة لكلا الطرفين.
لقد أصبح واضحا اليوم بأن الرئاسة التشيكية حاولت استغلال موقعها لتمرير كثير من القضايا التي تلعب لصالح إسرائيل ولتحسين موقعها التفاوضي داخل الاتحاد الأوروبي. ولعل المحطات البارزة والمؤلمة التي ميّزت تلك الرئاسة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هي خير دليل على ذلك، ابتداء من التصريحات الشهيرة الصادرة عن مسؤوليها قبل وأثناء تسلم براغ للرئاسة الأوروبية، وانتهاء بالمواقف الأخيرة المعلنة من قبل وزير خارجيتها المؤقت يان كوهوت.
الغريب في الأمر أن براغ تصر كإصرار المحارب الشرس على المراوحة في نفس الموقف الفاشل الذي وضعها في موقع دبلوماسي لا تحسد عليه أبدا.. وحدها الدولة العبرية شكرت الله لأن التشيك كانوا يترأسون الاتحاد الأوروبي في تلك الحقبة التاريخية المؤلمة، لأنهم مكّنوها من المناورة كثيرا على الساحة الدبلوماسية الأوروبية.
اليوم، وفي اللحظات الأخيرة المتبقية، يعود التشيك ليؤكدوا لنا في تصريحات ضبابية عمق الأزمة التي تتخبط بها دبلوماسيتهم حيال الشرق الأوسط. فهم لا يمانعون «التمدد الطبيعي للمستوطنات» وإن كانوا ضد الاستيطان في مفهومه الأشمل.. على الأقل في التصريحات العلنية.
إنها دبلوماسية المراهقة والانحياز الواضح.. فلنأمل بأن تكون الرئاسة السويدية مختلفة تماما، أو على الأقل مليئة بالأمل المنشود.
كاتب لبناني