في إطار دبلوماسية الرسائل والخطابات السياسية الموجهة من العالم الغربي إلى «العالم الإسلامي»، وبعدما اختار الرئيس الأميركي أوباما «جامعة القاهرة» ليوجه منها رسالة السلام والاحترام إلى «العالم الإسلامي»، اختار الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف «جامعة الدول العربية» بالقاهرة ليوجه منها رسالة الصداقة والتعاون الروسية إلى «العالم العربي» في أول خطاب لرئيس روسي في «بيت العرب»، فكان موفقا في اختياره..
وهذا يؤسس لسابقة موضوعية هي أن من يريد أن يخاطب الدول العربية فليخاطبهم من مقر جامعتهم ومن يريد أن يخاطب الدول الأفريقية فليخاطبهم من مقر اتحادهم، ومن يريد أن يخاطب شعبا من الشعوب فليخاطبه من مقر برلمانه المنتخب، ومن يريد أن يوجه رسالة إلى مجموعة من الشعوب فليخاطبها من مقر برلمانها الإقليمي، فمضمون أية رسالة دولية إلى مجموعة دولية مهم، والمكان الذي تلقى منه الرسالة لا يقل أهمية، فهو مضمون آخر لرسالة سياسية بل هو رسالة في حد ذاتها.
وأهمية الجامعة العربية كمنبر سياسي دولي، أنها ليست فقط مجرد جامعة قومية إقليمية، وإنما هي جامعة جغرافية قارية تجمع الدول العربية في آسيا والدول العربية في إفريقيا التي هي جميعا أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل «العالم الإسلامي» في كل القارات دوليا، وهي أيضا مكون رئيسي للاتحاد الأفريقي وللمنظمات الإقليمية في آسيا.
وربما كان هذا ما عناه الرئيس الروسي في بداية خطابه متوجها إلى الأمين العام عمرو موسى ومندوبي الدول العربية بالقول «إن جامعتكم تعتبر اليوم عاملا هاما في السياسة والاقتصاد على الصعيدين العالمي والإقليمي. وبدون مراعاة وجهات نظرها ومواقف البلدان الاعضاء فيها لا يمكن ضمان معالجة الكثير من القضايا الدولية الحيوية للعالم المعاصر كالأزمة المالية والاقتصادية العالمية والمضي قدما في الحوار بين الحضارات أو إنهاء الصراعات أو تسوية النزاعات الإقليمية».
وأشير هنا إلى أنه في ظروف اختلال توازن الآليات العالمية العامة لإدارة الكون، يزداد كثيرا أهمية دور المؤسسات الإقليمية فيما يجري بصورة عاصفة في كثير من مناطق العالم، ومنها تلك الأزمات المتفجرة هنا في الشرق الأوسط..
ومثلما تضمنت رسالة الأميركية السلام والاحترام إلى العالم الإسلامي سبعة محاور لقضايا خلافية تثير التوتر بين المسلمين والغربيين، فلقد تضمنت رسالة الصداقة والتعاون الروسية إلى العالم العربي أيضا سبعة محاور لقضايا وفاقية تقيم الجسور بين الشعب العربي والشعوب الروسية تحمل العناوين السبعة، العلاقات العربية ـ الروسية عميقة الجذور، الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا، القضية الفلسطينية مفتاح الحل الشامل ضرورة استعادة وحدة الصف الفلسطيني، جميع الأطراف وافقت على المشاركة في مؤتمر موسكو، الأمن الدولي غير قابل للتقسيم، التنوع الحضاري أساس النظام العالمي العادل الجديد.. وهي المحاور المرتبة في أولوياتها بعناية والتي تحتاج كلمتها إلى أكثر من وقفة للعرض والمناقشة..
لكن قبل مطالبة العرب للرئيس ميدفيديف بترجمة الأقوال عن الصداقة والتعاون إلي أفعال مثلما طالبوا ويطالبون الآن أوباما، فلقد سبق ميدفيديف إلى الأفعال قبل الأقوال، وذلك بتوقيع معاهدة التعاون الاستراتيجي بين مصر وروسيا وتوقيع البلدين الصديقين خمس اتفاقيات للتعاون المشترك للتنمية في معظم المجالات، بما يفتح الطريق لتعاون استراتيجي عربي روسي وليس عربيا غربيا فقط، تأسيسا على العلاقات التاريخية بين الشعبين الصديقين.