تميزت الانتخابات الرئاسية الإيرانية في دورتها العاشرة عن غيرها من الدورات السابقة، بما فيها الدورة الثامنة التي خاضها المرشحان محمد خاتمي وعلي أكبر ناطق نوري، والتي فاز فيها الإصلاحي خاتمي. فقد كانت الانتخابات الأخيرة على درجة عالية من التنافس الحاد بين المرشحين الأربعة، حيث تمحورت أطراف التنافس بين مايسميه الغرب بجناح «المحافظين البراغماتيين» من جهة، وجبهة الأحزاب الإصلاحية الطامحة للعودة إلى السلطة بعد غياب دام أربع سنوات.
كما جاء التنافس الحاد على خلفية من التباينات البرنامجية في برامج المرشحين لجهة القضايا الداخلية الإيرانية، والاقتصادية منها على وجه الخصوص. فالشعارات التي أطلقت فعلى المستوى الداخلي ركزت من قبل الإصلاحيين على الوضع الاقتصادي، والبطالة، وعلى شخصية الرئيس نجاد، وقد اشتقت شعارات تغييرية لها علاقة بأسس النظام الإسلامي، وكيفية إدارة النظام ومشروعية مؤسسات السلطة.
علماً بأن الاصطلاحيين قد جربوا حظهم عندما طرحوا شعارات (التنمية الاقتصادية والبراغماتية) والتي شكلت عناوين الاستقطاب في حملتهم الانتخابية التي فازوا بها ودام وجودهم ثماني سنوات في عهد الرئيس خاتمي.
لكنهم لم يستطيعوا أن يترجموا الشعارات اللفظية إلى فعل ملموس على أرض الواقع لجهة تحقيق معدلات عالية للنمو الاقتصادي والقومي، بينما شهدت السنوات الأربع الماضية من تطورات جيدة بالمعنى النسبي في هذا المجال في عهد الرئيس نجاد.
فيما كانت حملة نجاد موجهة ضد الفساد والطبقة الانتهازية المحتكرة للثروة، ووقوفه إلى جانب الفقراء والتمسك بمؤسسات الحكومة الإسلامية. وما زاد من حدة التنافس البرنامجي ما ظهر من خلافات لها علاقة بالمستوى السياسي الخارجي للأداء الرسمي الإيراني.
فالاصطلاحيون اعتبروا أن نجاد والمحافظين وضعوا إيران بمواجهة العالم، وأن الاصطلاحيين يسعون إلى تطوير علاقات إيران الخارجية باتجاه الغرب وأوروبا وأميركا، في حين أن المحافظين يتهمون الإصلاحيين بأنهم يريدون اخذ إيران إلى غير موقعها الدولي المناهض لأميركا والاستكبار العالمي وإسرائيل. وهذا التراشق الحاد أدى إلى اصطفافات وانقسامات حادة بين المتنافسين واتهامات متبادلة.
وقد تبين بالفعل الملموس بأن عاملين رئيسيين طغيا على المشهد الانتخابي. أولهما اتساع المشاركة الشعبية في التصويت والتي وصلت إلى نسبة غير مسبوقة في أي من الانتخابات الرئاسية في أي من بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة ذاتها.
وثانيهما حدة التنافس الانتخابي، حيث أفضا العاملان المذكوران لتوالد سحب الذيول التي جرتها وراءها العملية الانتخابية بعيد الإعلان عن فوز المرشح محمود أحمدي نجاد، ونزول الملايين من أنصار نجاد في احتفالات الفوز مقابل نزول الملايين من أنصار المرشح مير حسين موسوي في فعاليات الطعن بنزاهة العملية الانتخابية ونتائجها.
عدا عن ذلك، فقد ترافقت العملية الانتخابية باهتمام دولي بالغ الأهمية، فاق أهمية الانتخابات الرئاسية في كبرى دول العالم، وهو أمر يلخص إلى حد بعيد قوة حضور إيران على خارطة العالم والمنطقة، ودورها الإقليمي الذي بات دوراً مقرراً بالنسبة للعديد من القضايا الساخنة من العراق إلى لبنان إلى فلسطين. عدا عن الملف النووي الإيراني الذي بات أيضاً الشغل الشاغل لدوائر القرار في الولايات المتحدة وأوربا الغربية.
ولكن، ومهما قيل بشأن فرز الأصوات والنتائج النهائية للعملية الانتخابية والتي شكلت ضربة قاصمة للتقديرات الغربية وغير الغربية، ومهما قيل أيضاً عن وجود «صراع مكاسرة» بين التيار الإصلاحي والمحافظ. إلا أن حقيقة الواقع تفضي بقول شيء آخر.
فالقول بوجود تيار محافظ وآخر إصلاحي أمر صحيح. لكن الانتخابات كشفت تواضع حضور الإصلاحيين، حيث جرى نفخهم إعلاميا، بل أكثر من ذلك فقد تبين بالملموس أن هناك عملية مبالغة في تصوير الحالة في إيران باعتبارها تشكل انسلاخا لتيار هو تيار الإصلاحيين عن المرجعية العليا، واعتناقه لمسار مختلف عن خيارات النظام الاستراتيجية الكبرى. كما أن الفارق الكبير بين ما حصده احمدي نجاد ينفي وعلى الفور الحديث المتعلق عن تزوير هنا أو هناك.
كما أن تدخل المرجعية العليا المعروف عنها بنزاهتها، ودورها الحاضن للجميع أزال ونفى أيضاً في الوقت نفسه الحديث عن مسألتين: أولهما ابتعاد الإصلاحيين عن نظام الجمهورية المقر في إيران، وثانيهما مسألة التزوير. وهو ما أكده عباس علي كدخدائي المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور حين إمكانية التلاعب برقم يصل إلى عشرة ملايين صوت في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، موضحاً في الوقت ذاته «أن أحدا لم يدع حصول هذا الأمر».
بل وطالب مجلس صيانة الدستور تقديم شكاوى رسمية وخطية تتضمن وثائق وأدلة قانونية تشير إلى نوعية الاعتراض وطبيعة التجاوز من أي معترض كان، لمتابعة الشكاوى فور وصولها وذلك ضمن المهلة القانونية المحددة بعشرة أيام من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.
في هذا السياق، فان عودة صعود الرئيس نجاد وبهذه النتيجة، لابد لها من أن تفرز معادلات القوى على المستوى الداخلي الإيراني، وسيكون له تداعيات وسيترتب عليه عدة أمور ليس اقلها توالد المزيد من تنامي قوة المحافظين وإمساكهم بالمؤسسات في السلطة.
كذلك على المستوى الإقليمي والدولي. فنتائج الانتخابات التي جاءت بأحمدي نجاد، وبمقدار ما شكلت من مفاجأة للغرب والولايات المتحدة، فإنها تركت ارتياحاً عند العديد من العواصم الكبرى في العالم، وهو ما تجلى في القمة الأخيرة لرؤساء الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون، والتي انعقدت في روسيا وسط حضور مميز وترحيب خاص بالرئيس الإيراني المنتخب. وبالنتيجة حدوث المزيد من الفرز والتحشيد بين المحاور الإقليمية.
سواء باتجاه دول غرب إيران أو دول شرق إيران، ومزيد من تعزيز العلاقات مع حلفاء إيران الإقليميين (سوريا + حزب الله + حماس وعموم قوى المقاومة الفلسطينية)، ومحاولة لتعزيز الروابط مع تركيا.
كاتب فلسطيني