إذا أردت أن تفهم العقل الجمعي لأمة من أقصر طريق فانظر عمن تبحث في مواجهة الأزمة!.

وأذكر أنني كنت أجري حوارا مع المثقف المصري المعروف الدكتور علي السمان الذي يلعب دورا كبيرا في ملف حوار الأديان، وروى لي كيف أن مثقفا فرنسيا كبيرا كتب في واحدة من أهم الجرائد الفرنسية، معلقا على قرار تأميم قناة السويس باستحضار ذكرى شارل مارتل قائد الفرنجة في معركة «بلاط الشهداء» الشهيرة التي أوقفت حركة الفتح الإسلامي في أوروبا نهائيا!.

ولا تكاد أمة إلا وتبحث في مواجهة الأزمات عن شخص ما يمثل «المنقذ»، وهي فكرة لا تكاد تخلو منها ثقافة في العالم على اختلاف شكل الاستحضار وحدود التعلق بهذا الشخص الرمز.

فهناك عادة رجل يمثل لهذه الأمة أو تلك «رمز العصر الذهبي»، وأحيانا يكون هذا الرجل «المخلص المنتظر» الذي يأتي ليبني عالما فردوسيا مثاليا. وانتظار المخلص فكرة مريحة كونها تخرج الإنسان من عالم الأسباب الذي عادة ما يكون مأزوما في هذه اللحظة ليواجه إحساسه بالإحباط بحلم طوباوي.

لكن هذه الطوباوية والمثالية المفرطة تكشف عن السمات الرئيسية للعقل الجمعي لهذه الجماعة البشرية أو تلك. فمثلا كثير من الروس وكثير من اليساريين في معظم أنحاء العالم تصرفوا في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية بشكل كشف عن تعلق شديد بكارل ماركس ورغبة عارمة في عودته إلى العالم ليملأ الأرض عدلا، دون تقدير لاختلاف العالم الذي عاش فيه ماركس عن العالم الذي يتمنون عودته لإنقاذه!.

وفي المقابل كشفت الأزمة نفسها في ألمانيا ؟ مثلا ؟ عن تعلق كثير من الألمان بشخص آخر هو المستشار الألماني لودفيج إرهارد، وهو ؟ بعكس ماركس الثوري ؟ شخص وسطي اختار منطق التوافق والحل الوسط، وصنع مجده عبر «الإنجاز» لا عبر التحليق في عالم المجردات.

وتبلغ أهمية هذا الرجل حد أن كثيرا من مؤرخي الاقتصاد يعتبرون أنه من القليلين الذين ساهموا في إنقاذ الرأسمالية من خطر الشيوعية، عن طريق تدخل الدولة في تنظيم الأسواق وتحجيم الاحتكارات الكبرى. وقد أسس لودفيج في تجربته القصيرة (التاريخية) ما أصبح نموذجا للتوازن بين الحرية والفردية والعدالة الاجتماعية تحت عنوان «الرفاه للجميع».

والجدير بالتوقف عنده أنه أنجز ذلك دون أن يحكم بلاده إلى الأبد، فقد بقي لودفيج إرهارد ثلاث سنوات لا أكثر في منصب مستشار ألمانيا واضطر للاستقالة بعد انهيار تحالفه مع الحزب الليبرالي. وكان نجاح إرهارد كبيرا إلى حد أنه كان يوصف بـ «أبو المعجزة الاقتصادية» الألمانية، كما كان يلقب بـ «السيد مارك»، نسبة إلى المارك الألماني.

وبعد أكثر من أربعين عاما من مغادرة الرجل منصبه تستعيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذه التجربة التي بدأها «مستر مارك» عندما تولى وزارة الاقتصاد قبل منصب المستشار، هي مؤخرا قالت إنها تتوقع من وزير الاقتصاد الألماني الحالي الاقتداء بإرهارد.

وقد ترك لودفيج إرهارد إلى جانب إنجازه كتابا حاز شهرة أسطورية آنذاك هو «الرخاء للجميع» وفيه يؤكد أن المسؤول عن السياسة الاقتصادية يجب أن يتحمل المسؤولية تجاه الشعب لا تجاه مجموعات معينة. وبشكل عام، فإن التفكير في مجموعة فئات هي بالنسبة لإيرهارد مسألة تبعث على الشك والهلاك. وبفضل أفكار إرهارد أعلن الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن تخليه عن الفلسفة الماركسية وأكد اعتناقه نظرية لودفيج إيرهارد ومنذ ذلك الحين بدت الأحزاب الرئيسية الألمانية متقاربة في توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية.

فما دلالة تذكر البعض ماركس، بينما تذكر آخرون لودفيج إرهارد؟

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال عربيا تحمل في طياتها الكثير، فالعقل الجمعي العربي يبدي في الأزمات تعلقا بزعماء سياسيين «جماهيريين» أقرب إلى أنصاف الآلهة، وصولا إلى تعلق البعض بهتلر وستالين!.

فهؤلاء لا يبحثون عن منقذ أكثر إنسانية صنع مجده بـ «الإنجاز»، والمنقذ الذي يشيع استحضاره في هذه الحالة أقرب إلى الأسطورة. والأمم دائما تواجه مفترقات طرق يترك بصماته على المستقبل فالإنجاز يبدأ فكرة، والنجاح يبدأ فكرة، والأفكار أهم رأس مال تملكه الأمم، وهو يحدد سلة البدائل التي يمكن الاختيار منها، وبخاصة في مواجهة الأزمات.

وعندما يمتلئ الإعلام العربي في مواجهة الأزمة المالية العالمية بخطاب الحنين والتباكي على «الزمن الجميل»، فإن معنى هذا أننا ما زلنا أسرى ثقافة ومنطق تفكير هو بحد ذاته أزمة.

وعندما يصبح في العالم العربي رجل من نوعية «مستر مارك» يصنع مجده ومكانته في المجتمع بإنجاز محدد، لا بمجرد إثارة مشاعر الاعتزاز الوطني والتعبير عن الإرادة نكون قد خطونا الخطوة الأولى في طريق الاختيار الصحيح في هذا المفترق.

وعندما يصبح عندنا طبعة عربية من «مستر مارك» نستحضر رمزيته وتجربته في النهوض فإن العالم العربي يكون على طريق التعافي واستكمال ما يلزمه من رأسمال فكري يحتاجه أي مسعى للنهوض.

فمتى يصبح العالم العربي في انتظار «مستر مارك»؟!.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com