غداً يطوي العراق صفحة مرحلة ويفتح أخرى. القوات الأجنبية، تخلي المدن والبلدات العراقية، لتحل مكانها قوات الأمن والجيش، الوطنية. تطور نوعي هام. صحيح أن الخلاص النهائي من الاحتلال، مازال أمامه سنتان ونصف.

لكن الانسحاب، ولو الجزئي، نقلة متقدمة؛ على طريق استعادة السيادة الكاملة. أهميته أنه تمرين انتقالي جديد. اختبار لمدى تماسك النسيج الوطني وأداء مؤسسات الدولة. اجتيازه، مرهون بتوفر شروطه، التي يتعذر إنتاجها في غياب معادلة سياسية سويّة.

طبعاً الشق الأمني، من هذه الشروط، رئيسي. من دونه لا يستقيم الانتقال. في الآونة الأخيرة نشطت عمليات العنف والتفجير الدموي، من الطراز السابق والذي يحمل بصمات الفتنة.

القوى المتضرّرة من الاستقرار المتزايد، رفعت من وتيرة هجماتها؛ عشية الانسحاب لإغراق البلد في العنف والفوضى وجولات الاقتتال الأهلي. الجهات الرسمية، تشدّد على جهوزيتها لمواجهة استحقاق الانسحاب ومتطلباته.

القوى الأمنية، تؤكّد بأنها اتخذت كافة الاحتياطات والترتيبات اللازمة. بنتيجة المداولات بين المسؤولين في الحكومة والمجلس النيابي، صدرت تطمينات بأن الاستعدادات جارية لتنفيذ الخطة الأمنية، الكفيلة بضبط الوضع والسيطرة عليه فور تسلّم قوى الشرطة والجيش لمهامها كاملة. كما توالت التأكيدات بأن هذه الأجهزة باتت على مستوى القدرة المطلوبة، للنهوض بمسؤولياتها.

ولتعزيز الثقة، يؤكد المسؤولون بأنه لن يكون للطائفية مكان، بعد الآن في العراق. وأن عدم الرد بالمثل على العمليات الأخيرة؛ يؤكد ذلك. كل هذا ضروري ومطلوب لضمان انتقال هادئ، يفتح الطريق باتجاه المزيد من توطيد الأمن والاستقرار، فضلاً عن تمكين الدولة من بسط سلطة القانون في كافة أرجاء العراق. لكن يبقى الشق السياسي، باعتباره الأساس لضمان الاستمرارية، في هذا الاتجاه.

ليس سرّاً أن جهود المصالحة الوطنية، لا تزال متعثرة. أخفقت كل المحاولات لإنجازها. الإصلاحات، الدستورية والسياسية، بقيت وعداً على ورق. التوافق حول قضايا مفصلية، إدارية ومؤسساتية ومالية، لم يحصل. المواقف متباعدة، حول مسائل كبيرة وحساسة، مثل وضع كركوك وغيرها. تركت لعامل الوقت. لكنها تفاقمت بدل أن تشهد حلحلة. سلامة الوحدة الوطنية، مربوطة بانجاز المصالحة السياسية.

وإذا كانت هذه المعادلة صحيحة قبل الانسحاب، فهي بعده، صارت بمثابة الضرورة الواجبة الوجوب. التماسك السياسي، حصانة للوضع الأمني. الخلل على هذا المستوى، هو الفجوة التي يتسلل منها العنف لضرب الأمن. التجربة حافلة بالشواهد. مناعة الوضع السياسي، هي خط الدفاع الأمني الأول.

عندما يستوي أمره، تنحصر الصراعات داخل حدوده. تصحيحه، يحرم سمك العنف من المياه اللازمة للسباحة فيها. العراق أمام التحدّي، الذي لا يقوى سوى على مواجهته.