الموقف المتشدد من جانب نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي تجاه المبادئ التي التزم بها الرئيس الأميركي في ملف الصراع العربي؟ الإسرائيلي أعطى للعرب مساحة واسعة للتحرك السياسي على مختلف الجبهات قبل أن يطرح أوباما مقترحاته الكاملة بعد أسابيع. والرفض المستمر من جانب نتانياهو وحكومته لوقف الاستيطان على الأرض العربية المحتلة يضع إسرائيل في مواجهة العالم كله الذي أصبح يدرك انه لا معنى لأي عملية تسوية سياسية في ظل استمرار سرطان الاستيطان الصهيوني.
وعندما كان وزراء الخارجية العرب ومندوبوهم يجتمعون في القاهرة قبل أيام، كان يسبقهم قرار جديد للحكومة الإسرائيلية بتخصيص 250 مليون دولار للتوسع في الاستيطان، ومع ذلك فقد آثر وزراء الخارجية العرب أن يتركوا مجالاً للتفاوض حول السلام مع اشتراط خطة محددة المدة، وأن يكون الحل هو المستهدف متضمنا إنهاء احتلال أراضي 67 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
مع التأكيد على استعداد العرب على «التعامل بايجابية مع طرح الرئيس الأميركي لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي واتخاذ ما يلزم لدعم التحرك الأميركي في هذا الاتجاه».
و«ما يلزم» هنا.. تشير فيما يبدو إلى المطالب الأميركية المتكررة بضرورة اتخاذ العرب لخطوات ملموسة على طريق التطبيع التدريجي مع إسرائيل ! وكانت هناك إشارات محددة إلي السماح باستخدام الأجواء العربية من جانب الطيران الإسرائيلي واستقبال الوفود السياحية، بالإضافة إلي إعادة فتح مكاتب الاتصال والتمثيل في بعض العواصم العربية وبدء الدخول في علاقات تجارية في عواصم أخرى. وذلك في حالة استجابة إسرائيل للشرطين اللذين وضعتهما الإدارة الأميركية وهما الاعتراف بحل الدولتين ووقف الاستيطان.
والملاحظ هنا أن الجانب العربي لم يغلق الباب تماماً أمام هذا المطلب الأميركي. وزراء الخارجية لم يكتفوا في بيانهم الأخير بالحديث عن اتخاذ «ما يلزم» لدعم التحرك الأميركي، وإنما أيضا كلفوا لجنة مبادرة السلام العربية «ببحث الخطوات التي يمكن اتخاذها إذا «تجاوبت!» إسرائيل مع الجهود العربية والدولية لتحقيق السلام في المنطقة، وكذلك الخطوات التي يمكن اتخاذها إذا ما استمرت إسرائيل في تعنتها ومماطلتها».
وقد سبق ذلك أن وضع وزير الخارجية احمد أبو الغيط شرطين للشروع في إعادة فتح مكاتب الاتصال والتمثيل العربية في إسرائيل، وهما الوقف الكامل للاستيطان وإعادة الأوضاع في الضفة الغربية لما كانت عليه قبل الانتفاضة الثانية وخصوصاً انسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن. بينما وضع الرئيس المصري حسني مبارك في مقاله الهام المنشور في الأسبوع الماضي بصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تصوره للأمر كالتالي: «بينما يمكن أن يأتي التطبيع الكامل مع إسرائيل فقط بعد تسوية شاملة تشمل المسارات السورية واللبنانية والفلسطينية، فإن الطرف العربي يقف مستعداً لمبادلة الخطوات الجادة التي تتخذها إسرائيل نحو السلام».
ومع التقدير الكامل للأهمية القصوي لقضية وقف الاستيطان بالذات، فإن البدء في خطوات التطبيع قبل الوصول للتسوية النهائية هو أمر يحمل في طياته كل المخاطر، ويفقد العرب الورقة الأساسية الباقية في أيديهم، ويهدد بتكرار التجربة التي عاشتها القضية الفلسطينية منذ اتفاق اوسلو حتى الآن حين سيطر الوهم بان السلام قد حل !! وكانت القيادة الفلسطينية تشارك في الجهد لفك عزلة إسرائيل وتساهم في إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر الصهيونية دعوة عنصرية، وتشجع جهود التطبيع معها باعتبار أن ذلك سيقنعها بجدوى السلام.. بينما كانت إسرائيل تخطط لمفاوضات تستمر لألف عام واستيطان لا يتوقف واستكمال لتهويد القدس.
وبغض النظر عن الخلاف حول مبدأ التسوية السياسية فلسطينياً وعربيا، فقد كان الخطأ الأساسي في أوسلو هو تأجيل كل القضايا الأساسية وإخضاعها لمبدأ التفاوض المفتوح والخاضع لموازين قوى مختلة لصالح العدو، وهو ما ينبغي عدم الوقوع فيه مرة أخرى.
فالبداية الحقيقية ينبغي أن تكون إقرار إسرائيل بإنهاء احتلال الأراضي العربية التي استولت عليها عام 67، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية والحل العادل لقضية اللاجئين. والتفاوض يكون فقط على خطوات التنفيذ، وهنا فقط يمكن الحديث عن خطوات متبادلة من الجانبين وعن اتخاذ «ما يلزم» من جميع الاطراف لدعم التحرك نحو السلام.
أما أن يقال إن حديث نتانياهو عن حل الدولتين رغم كل الشروط التي تنسف كل احتمال للدولة الفلسطينية هو «خطوة هامة إلى الأمام» تستحق أن يشجعها العرب بفتح أجوائهم للطائرات الإسرائيلية واستقبال مطاراتهم للسياح الإسرائيليين.
فهذا نوع من الاستهبال السياسي ! وأما أن يقال لنا أن إسرائيل ستزيل بعض البؤر الاستيطانية التي لا يسكنها احد ثم يطالب العرب بان يغضوا الطرف عما يحدث في القدس ويستقبلوا المبعوثين الإسرائيليين في عواصمهم تحت لافتات المكاتب التجارية، فهذا هو الذي ينسف أي احتمال للسلام.. فلماذا تتراجع إسرائيل إذا كانت تحصل على التنازلات العربية دون أن تقدم إلا ما يجمل صورتها القبيحة ويفتح الباب للتفاوض (مجرد التفاوض) حول قضايا لا تحتاج للتفاوض بل للقرار الذي يحسم فرصة قد تكون الأخيرة للسلام.
وهي فرصة قد تنسفها حماقة القوة لدى إسرائيل، وقد ينسفها أيضا الانجرار للتنازلات المجانية من العرب !
كاتب صحافي مصري
