عشية انتقال رئاسة الاتحاد الأوروبي من تشيكيا إلى السويد تبرز لائحة مطولة من التحديات أمام الرئاسة الجديدة، أبرزها دون شك الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها من بطالة مرتفعة وصناعات متراجعة وحوار متجدد حول دور الدولة في الاقتصاد وثم ازدياد المخاوف من دعوات لسياسات حمائية لا تشكل تحدياً على مسيرة الاتحاد الأوروبي فحسب بل تؤدي إلى ضرب مفهوم الوحدة الأوروبية، والبحث في أفضل السبل لمواجهتها.
قضايا أخرى على أجندة أوروبا تمثل تحديات متجددة منها مستقبل عملية البناء الأوروبي الذي يهدف إلى بلورة شخصية سياسية دولية للاتحاد وقد توقفت هذه المسيرة غداة الفيتو الايرلندي على اتفاقية لشبونة وبالطبع من التحديات القديمة المتجددة مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وهي قضية تثير موضوع علاقة أوروبا مع الإسلام ومع العالم الإسلامي وتعكس عند أكثر المعارضة للانضمام التركي ما يعرف بالاسلامو فوبيا في حين يعتبر البعض من منظور استراتيجي أن على أوروبا أن تحدد نهائياً حدودها حتى لا تتحول إلى مجرد سوق مفتوحة، كما يقول هؤلاء.
وبالطبع ترفض تركيا بشدة أي مقترح أوروبي حول شراكة مميزة، وتعتبر أن الخيار الوحيد الممكن في هذا المجال هو الانضمام الكلي أو لا علاقات خاصة، كما يقول الوزير التركي للشؤون الأوروبية. انه سؤال مستمر ومطروح بقوة ويتناول هوية أوروبا وكذلك مستقبلها الثقافي والاستراتيجي والسياسي والاقتصادي كما ينعكس على علاقات أوروبا مع محيطها المباشر الجنوبي والشرقي بشكل خاص.
وأكثر ما يدل على حالة القلق في أوروبا أو على أزمة مسيرة البناء الأوروبي هي الانتخابات للبرلمان الأوروبي التي جرت في 7 يونيو والتي فاز فيها اليمين بالأغلبية. انتخابات كانت مليئة بالدروس منها انخفاض نسبة المشاركة إذ وصلت المقاطعة إلى أكثر من 59% وهذا يدل على غياب ثقة المواطن في الدول الأوروبية بالمؤسسات الأوروبية وبالبرلمان بشكل خاص وهو ما يطرح بشدة ما يعرف بالعجز الديمقراطي في أوروبا وبوجود نوع من القطيعة بين العمل الأوروبي من جهة وبين اهتمامات ومشاغل وبالتالي اضطلاع المواطنين بالشؤون الأوروبية من جهة أخرى.
يعكس ذلك أيضاً فشل اليسار في أوروبا نتيجة تراكم مجموعة من السياسات الفاشلة في الماضي وسقوط ما يعرف بنموذج الديمقراطية الاجتماعية وريثة اليسار بشكل خاص والتي ذهبت بعيداً في رد فعلها على هزيمة الشيوعية والاشتراكيات الأوروبية بالأمس فلم تستطع أن تبلور هوية اقتصادية واجتماعية وسياسية خاصة بها أو مشروع مستقبلي أو أن تقوم بإعادة تموضع عقائدي مما أفاد كثيراً اليمين الأوروبي من جهة وبعض اليسار المتطرف من جهة أخرى ولو على صعيد بسيط، رغم أن الأزمة الاقتصادية وتحديداً أزمة الرأسمالية المالية كان يجب أن تشكل عنصراً دافعاً ومشجعاً لدعم خيار الديمقراطية الاجتماعية.
كان انتصار اليمين أيضاً تعبيراً عن «انتصار» المخاوف من الهجرة ومن غياب الأمن ومن الأوضاع السائدة في المناطق المحيطة بالاتحاد الأوروبي والتحديات التي تحملها بالنسبة لأوروبا.
أمام ذلك كله يطرح مجدداً السؤال حول كيفية إعادة إطلاق مسيرة الاتحاد الأوروبي باتجاه بلورة «أوروبا القوة» أو أوروبا القطب الدولي الذي لا يقف فقط على رجل واحدة: الرجل الاقتصادية المالية بل أيضاً على رجل سياسية واستراتيجية دولية في عالم يزداد فيه عدد الأقطاب الصاعدة وخاصة القادمة من العالم النامي.
سؤال أيضاً يدفع إلى سؤال آخر أكثر أهمية وأكثر شمولية يتعلق بأي أوروبا يريد الأوروبيون فهل هي أوروبا القوة، وبالتالي أوروبا التي يستدعي هذا الأمر التغلب على أزمة البناء الأوروبي وإعادة إعمال اتفاقية لشبونة بعد معالجة الفيتوات القائمة والمحتملة أمامها أم هي أوروبا الملحقة بالنظام الغربي أم هي أوروبا الفضاء الجغرافي المفتوح وغير الناشط أم هي أوروبا التي قد تبنى على نموذج سويسرا كبرى تحلو فيها الحياة ولكنها محايدة ومحيدة. هذه بعض النماذج التي يذكرنا بها وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فيدرين.
أسئلة أخرى في السياق ذاته تتعلق بكيفية صياغة علاقات أوروبا مع منطقتين يرى البعض انه تم تجاهلهما أو عدم إعطائهما الأهمية التي يستحقانها وهما أميركا اللاتينية وآسيا، وذلك لمصلحة المتوسط وإفريقيا دون أن يعني ذلك وجود سياسة أوروبية ناشطة وناجحة في المجالين الأخيرين.
هذا أيضاً يجر إلى أسئلة قديمة ومتجددة تتعلق بالشكل الأكثر عملية وفعالية لتنشيط العمل الأوروبي «الداخلي» والخارجي ولو بشكل انتقالي حتى لو طالت الفترة الانتقالية إلى أن تتم. تسوية المشكلات التي تقف حاجزاً أو عائقاً أمام بلورة أوروبا القطب الدولي.
من هذه الأشكال النماذج للقيادة الأوروبية أو لقيادة أوروبا العودة إلى تنشيط دور الثنائي الفرنسي الألماني الذي تراجع عنه الرئيس الفرنسي لكن دلت الفترة الأخيرة على وجود عدد من المؤشرات نحو عودة هادئة وخجولة إلى تنشيط دور هذا الثنائي والبعض يطرح توسيع عضوية «نادي القاطرة» ليضم قوى رئيسية أخرى في أوروبا والبعض الآخر يطرح نموذج أوروبا ذات السرعات المختلفة وذات الهندسة المتغيرة في التعاون والبناء الأوروبي.
كلها أسئلة تواكب بشكل ضاغط مسيرة البناء الأوروبي وتفرض ذاتها بحدة حالياً، مع ازدياد التحديات الخارجية والداخلية لأوروبا، أمام الرئاسة السويدية وتتوارثها الرئاسات الواحدة تلو الأخرى دون أن تنجح في إقفال بعض ملفات هذه التحديات التي تحدد في نهاية الأمر موقع أوروبا وثقلها ومكانتها ودورها أولاً على صعيد القارة القديمة، وثانياً على الصعيد العالمي.
كاتب لبناني