بعد إعلان كل دول الخليج العربية تقريباً في رسائل رسمية اعترافها بنتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وإعلانها في بيانات أو تصريحات رسمية حرصها على استقرار الجارة الإسلامية إيران، ورفضها للتدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، ومع إصرار القيادة الإيرانية على رفض الخضوع لأي ضغوط خارجية أو داخلية سياسية أو إعلامية أو تخالف مبادئ الدستور والقانون أو خارج إطار المؤسسات التشريعية بما يتوافق مع إرادة الشعب.
فليس مشروعا محاولات دولة ما كبرى أو صغرى لتغيير نظام دولة أخرى بإثارة الفوضى أو بأسلوب التحريض على مخالفة القوانين والمؤسسات الشرعية، ومع التأكيد على احترام حق الشعوب في ممارسة حرية اختيار نوابهم ورؤسائهم في انتخابات سليمة ونزيهة، وعلى حقهم في حرية التعبير السلمي عن الرأي والمشاركة في القرار، فإنه لا حق في دعوة لحرية الفوضى بما يؤدي لسقوط ضحايا، ولا مع غياب المسؤولية بإحراق المساجد والاعتداء على الحريات والممتلكات الخاصة أو العامة، وبتعريض الأمن العام للخطر!
ولم يعد مقبولاً لا رسمياً ولا شعبياً تهديدات إسرائيلية ولا غيره في ظل هذه الظروف بالعدوان على إيران أو غيرها، ولم يعد مشروعاً وصاية من دول غربية على الدول العربية والإسلامية، ولا من أية دولة غربية أو عربية محاولة التدخل في شؤون دولة أخرى سواء بالتحريض السياسي أو الإعلامي المخالف للقانون الدولي، إلا إذا قبلت من الدول الأخرى المعاملة بالمثل، وهذا من شأنه توسيع دائرة الفوضى الإقليمية بل والعالمية، ولا مصلحة ولا أمن لأية دولة في الوصول إلى تلك الحالة التي هي أجندة الغرب لزعزعة استقرار الشرق..
إن أزمة ما بعد الانتخابات في إيران التي انتقلت من الشارع الآن إلى المؤسسات، ومن حالة الفوضى إلى الاحتكام إلى القانون، ومن العنف إلى السياسة، قد تستمر تداعياتها بأشكال أخرى وصولا للأهداف الأخرى المقررة البعيدة عن العملية الانتخابية ذاتها، بعد ما كشفت بوضوح عن أزمة لدي أطراف اللعبة الديمقراطية، خصوصا من بعض «الديمقراطيين» الذين يضعون معايير «شخصانية» للديمقراطية، ويعتبرون فوزهم فقط هو دليل سلامة العملية الانتخابية وخسارتهم دليلا على غياب الديمقراطية..
وأزمة ما قبل الانتخابات في موريتانيا وفي اليمن وفي السودان كمثل آخر، على اختلاف أسبابها التي تتمثل فيما هو مبرر من أسباب من بينها الانقسامات السياسية بين أطراف اللعبة الديمقراطية التي يريد كل طرف أن يجري تفصيل قانون الانتخابات على مقاسه، وبرغم ما يبدو من مثالية «الديمقراطية» كآلية لحل مشكلة الصراع على السلطة.
إلا أن أكثر من أزمة سواء في عالمنا العربي أو في العالم الثالث عموما تجرى الوساطات فيها حاليا لعقد الحوارات بين أطرافها لحلها وصولا لسلطة وطنية توافقية تعبر عن غالبية الإرادة الشعبية، بإشراك أطراف الأزمة في الحكم أو في القرار، تشير بوضوح إلى أن تطبيق «الديمقراطية» بشكلها التقليدي الغربي مع الطائفية أو المذهبية أو العشائرية أو المناطقية، ومع التدخلات الغربية «الديمقراطية» التي تريد تفصيل ديمقراطيات بمعاييرها مثلما جرى في فلسطين ومن قبلها في الجزائر، وتنصيب حكومات تتوافق مع مصالحها هي قبل مصالح شعوبها، إنما يعاني في الواقع من أزمة حقيقية..
بما يطرح السؤال.. أهي أزمة ديمقراطية أم أزمة ديمقراطيين؟!
كاتب مصري