لم يمر وقت طويل على انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم تمر مدة طويلة على العالم حتى بدأت دوله تشكل تكتلات أخرى تنبئ باستقطابات جديدة لا يمكن لأحد أن يتكهن بنوعية العلاقة التي ستربط بينها.

فأيام الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة ممثلة للنظام الرأسمالي والإتحاد السوفييتي ممثلاً للتوجه الاشتراكي قد تراوحت تلك العلاقة بين التدخل العسكري في بداية ثورة أكتوبر الاشتراكية من قبل الدول الأوروبية، إلى التعاون أثناء الحرب العالمية الثانية لدحر دول المحور وعلى رأسها ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان، ثم لينقلب حلفاء الأمس إلى أعداء يردعهم من افتراس بعضهم البعض السلاح النووي، لتظهر لنا فترة طويلة من الحرب الباردة ثم لتنتهي بسياسة «الوفاق»، وأخيراً انهيار المعسكر الاشتراكي برمته بفلسفته القائمة على المشروع العام وإدارة الدولة للاقتصاد ونجاح المعسكر الرأسمالي بفلسفته الليبرالية القائمة على المشروع الخاص والحرية الاقتصادية.

إن ملامح كتل دولية ضخمة ربما تشكل مراكز استقطاب بادية للعيان على المشهد السياسي العالمي، لعل أبرز تلك الكتل الصين وما تمثله بسكانها الذين يقدرون بربع سكان هذه المعمورة هي الأبرز في هذا السياق، فالصين قد حققت قفزات اقتصادية مذهلة، وطلقت نظام الاقتصاد المركزي طلاقاً بائناً منذ أكثر من عقدين لتصبح منافساً للقوى الاقتصادية التقليدية على السوق العالمية، فهي الآن تحتل المرتبة الثانية من حيث التصدير، إذ بزت ألمانيا منذ العام الماضي، وهي أيضاً ستتجاوز اليابان مع نهاية هذه السنة في قوة اقتصادها، الذي يحتل المرتبة الثانية أيضاً بعد الولايات المتحدة الأميركية.

والصين لها مجال طبيعي ضخم في شرق وجنوب آسيا، وهذا المجال الطبيعي هي في تنافس شديد مع مراكز قوية أخرى (النمور الآسيوية ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية). كما إن لها منافس كبير وهو الهند ذات المليار نسمة، والتي أضحت حليفة إستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية من عدة أعوام وهي الآن مُصّدر مهم لتقنيات المعلومات والبرمجيات!!

والكتلة المهمة الأخرى، التي ربما تتحول إلى مركز لاستقطاب عالمي مستقبلي هي دول الاتحاد الأوروبي، التي تشمل ضمن من تشمل دولاً صناعية رئيسية كألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ناهيك عن دول أخرى مهمة كإيطاليا وإسبانيا وغيرهما من دول شرق أوروبا.

ولا زالت بعض دول هذه الكتلة وعلى رأسها بريطانيا تمتنع عن المشاركة الفاعلة في هذا الاتحاد وعلى وجه التحديد في التخلي عن الجنيه الإسترليني والتحول إلى اليورو، الذي أثبت قوة وثباتاً في الأزمة العالمية التي تعصف بالعالم حالياً.

وثمة جدل كبير في هذا الاتحاد في قبول تركيا كعضو فيه، فترى فرنسا بأن دخول دولة كبيرة كتركيا سيهدد الانسجام الاجتماعي والديني لهذا الاتحاد، في حين ترى ألمانيا أن لا غضاضة من قبول تركيا، وهي الدولة التي ستمثل معيناً للقوة العاملة المطلوبة في أوروبا حيث تشتكي هذه القارة من شيخوخة أصبح يطلق عليها «الداء الهولندي» إشارة إلى وقف التكاثر الطبيعي للسكان نتيجة عدم رغبة الأوروبيين في الإنجاب وما يترتب عليه من تربية وتنشئة اجتماعية!!

وثمة كتلة أخرى لا بد من الإشارة إليها وهي روسيا التي نهضت بعد كوبتها نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي وتنكر حلفاؤها في شرق أوروبا لها وانضمامهم ليس إلى الاتحاد الأوروبي فحسب، بل وإلى حلف شمال الأطلسي!!

إن روسيا تشعر بمرارة وبطعنة في كرامتها وامتهان لحسها القومي، وهذا يظهر من سياسات بوتين وخلفه مدفيديف، ويظهر جلياً في علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي وإمداده بالغاز الطبيعي، ويظهر أيضاً في موقفها من الردع الصاروخي ومن اتخاذ أراضي جمهورية التشيك كمواقع لنصب تلك الصواريخ.

وتحاول روسيا مرة أخرى أن تعيد علاقاتها التاريخية مع الدول العربية والدول الحليفة لها في العهد السابق وعلى وجه التحديد مع كوبا أو مع أنظمة أخرى فرضت نفسها على المشهد الدولي كنظام شافيز في فنزويلا أو مع إيران.

وتبدو اليابان والبرازيل وإلى حد أقل كثيراً أستراليا كقوى خارج تشكيل استقطابات تكون هي محورها، رغم قواها الاقتصادية والبشرية والتقنية، في حين ستشكل هذه الدول عناصر مهمة في تكتلات مستقبلية آخذة بالتشكل. وربما الأكثر حظاً هي البرازيل، التي تمتلك نفوذاً يشمل قارة بكاملها هي أميركا اللاتينية.

في عالم اليوم وحسب استقطاباته الحالية والمنظورة يتعايش التنافس والتعاون ليشكلا وحدة بين الشيء ونقيضه، فثمة سباق محموم لتأمين مواد الخام والأسواق، ويجادل الكثيرون أن حرب العراق مثلاً لم تكن إلا للاستحواذ على نفطه، وإن الصراعات المحتدمة في أفريقيا إنما هي على ثرواته، وإن تلك المنافسة قد تؤدي إلى نبذ «العولمة وفتح الحدود» إلى سياسة ز الحماية الجمركية إذا ما كسبت بعض الدول الجديدة كالصين والهند معركة التصدير.

بيد أن تطور الحياة بتحدياتها الجديدة قد فرضت على الدول التعاون أيضاً، فهاهي مشكلات البيئة والاحتباس الحراري والتلوث باتت تؤرق العالم وتدفعه دفعاً نحو التحرك لخفض غاز ثاني أكسيد الكربون، ثم أن أخطار امتلاك بعض الدول للسلاح النووي قد جعلت للدول الكبيرة مواقف متقاربة، وما العقوبات الجديدة التي فرضها مجلس الأمن مؤخراً على كوريا مثالاً على ذلك.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com