الخطاب الذي ألقاه السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة 'حماس' من دمشق يوم امس جاء رداً مباشراً على خطابي كل من الرئيس الاميركي باراك اوباما، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن النقاط الأبرز فيه تركزت حول الوضع الداخلي الفلسطيني ومسألة المصالحة بين حركتي 'فتح' و'حماس' لانهاء حالة الانقسام الفلسطيني الراهنة.
السيد مشعل انتقد بشدة الاعتقالات التي تجريها قوات امن السلطة في رام الله في صفوف نشطاء حركته، وقال ان عدد المعتقلين بلغ حوالى سبعمئة شخص تقريباً يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، وقال ان هذه الاعتقالات هي أحد الأسباب الرئيسية لعرقلة محادثات المصالحة الفلسطينية في القاهرة.
وكلام السيد مشعل صحيح، فكيف يمكن ان تتحقق هذه المصالحة في ظل وجود هذا العدد الضخم من المعتقلين في سجون السلطة دون أي سبب غير كونهم اعضاء في حركة 'حماس' ولكن الصحيح ايضاً ان سجون سلطة 'حماس' في غزة 'تستضيف' اعداداً من نشطاء حركة 'فتح' وان بأعداد أقل، يشتكي الكثير منهم من الشكاوى نفسها لزملائهم في رام الله، أي التعذيب.
حرب الاعتقالات الكيدية هذه امر مسيء يكشف مدى انحدار الحس الوطني والانساني لدى المتورطين فيها أيا كان انتماؤهم التنظيمي، فاذا كانت السلطة في رام الله تأتمر بأوامر الجنرال الاميركي دايتون في تنفيذها لاعتقالات اعضاء حركة 'حماس' او قتلهم مثلما حدث في قلقيلية مؤخراً حسب قول السيد مشعل، وهو صادق في هذا، فقد كان الاجدر بحركته ان لا تنزلق الى هذا المنزلق المؤسف، وترد باجراء اعتقالات لكوادر محسوبة على حركة 'فتح'. فقد كان عليها ان تقدم نموذجاً في التسامح والترفع عن الخطوات الثأرية.
قبل اربعة أيام خرج علينا السيد عزام الاحمد رئيس كتلة 'فتح' في المجلس التشريعي بتصريحات اكد فيها ان الرئيس محمود عباس اصدر قراراً بالافراج عن جميع معتقلي حركة 'حماس' في سجون السلطة لانجاح حوارات المصالحة في القاهرة، وجاءت هذه التصريحات لتبعث التفاؤل في اوساط الشعب الفلسطيني باغلاق هذا الفصل المؤسف من فصول الصراع بين طرفي المعادلة السياسية الفلسطينية الاكثر ثقلاً على الأرض، ولكن هذه التصريحات والبشائر التي تضمنتها، لم تترجم عملياً على الأرض، فقد جرى الافراج عن بضعة عشرات من المعتقلين في سجون رام الله، واعتقال عشرات آخرين في المقابل، بحيث لم يبق الوضع على حاله فقط بل ازداد سوءاً.
قيادتا حركة 'فتح' و'حماس' تخدعان نفسيهما مثلما تخدعان الشعب الفلسطيني بالحديث عن مصالحة والاستمرار في الوقت نفسه في الاعتقالات المتبادلة، ولا بد ان يكون الوسيط المصري الذي يستضيف حوارات القاهرة حازماً في هذه المسألة، ويسمي الاشياء باسمائها دون لف أو دوران. فمن العار ان يلتقي طرفا الحوار ويتبادلا الابتسامات، ويطلقا التصريحات المتفائلة حول وضع حد للانقسامات بينما يطعنان بعضهما البعض من الظهر بخنجر الاعتقالات هذه.
