من يؤثر في الآخر، إيقاع المدينة الصاخب، المتصادم اجتماعياً وفكرياً مع الثوابت ، أم القرية ذات التقاليد الراسخة والحركة البطيئة؟

في أدبياتنا العربية ونتيجة الهجرة من الريف أو البادية للمدينة يولد صدام بين منظومتين فكريتين، والغلبة دائماً للمدينة وحتى لو شعر الوافد الجديد بالصدمة والغربة والتوحش، فإنه لاحقاً لابد أن يستسلم ويندمج، وعلاقة الطرفين تشبه إلى حد بعيد موضوع الجدل بمن يريد إنتاج الماضي، وجعله قانوناً مقيداً للحياة، مقابل آخر رافض ، يأتي تجديده من استعاره وتقليد الطرف المتفوق علمياً وحضارياً، وفي هذه الجدلية تحدث المتاهة عندما يسيطر فكر المهزوم، مقابل المشدود إلى ذلك الماضي الذي لا يريد أن يحدث فيه أي تغيير..

وكمقياس لخلق توازن في دورة الإنتاج اقتصادياً وفكرياً، وطاقة عمل بشري لا نستطيع وضع سلم بين قوى المجتمع الذي لا يزال يعيش على اقتصار يعي جعل الاتكالية سنداً وهدفاً مما حوّل قطاعاً كبيراً في مجتمعنا، إما لموظفين بالدولة شبه عاطلين، أو مجاميع لا تريد أن تتحول إلى أدوات إنتاج داخل الورشة الكبيرة في المصنع والعمل والمستشفى وغيرها..

هذه الفوارق جسدت عقلية العنصر الاتكالي، والخطورة هنا أن كسر العيب بين المهنة والتقاليد قد يأتي بدوافع الضغط في المداخيل وندرة الوظيفة، لكن إذا لم يتم التزاوج بين ثقافة العمل كإنتاج، وقيم العصر الذي يقيس كل أمة بقدرتها على الإنتاج والاكتفاء الذاتي، وتصدير الفائض، فإن النتيجة تعارضٌ حاد بين قوى العمل وأدائها..

لنذهب إلى موضوع البطالة وهل هي حقيقية أم مفتعلة؟ فإذا كانت حقيقية فكيف يتواجد بيننا سبعة ملايين عامل عربي وأجنبي، يصل دخل البعض مثل أصحاب ورش النجارة وصيانة المعدات المنزلية، والإلكترونيات، ومراكز البيع في مختلف السلع في أحيائنا وأسواقنا، إلى ما يفوق دخل موظف حكومي بالمرتبة العاشرة، وهذه لا تحتاج إلا للتدريب والانخراط في سوق العمل؟

أما إذا كانت مفتعلة فكيف سنسدّ احتياجاتنا في العديد من المهن ومراكز الإنتاج سواء كانت مصانع كبرى، أو ورش صيانة، وإدارات تمثل العديد من الاختصاصات، وهل ما تخرجه المعاهد والكليات مهنية أو فنية وإدارية يشكل إضافة إلى العاطلين لأنه غير مؤهل نفسياً وثقافياً بقبول عمل له مواصفات، لتغلّب ثقافة القرية وتقاليدها على حياة المدينة وتحدياتها؟

في مدينة صغيرة توجد مئات الجامعيات باختصاصات علمية، رياضيات، فيزياء، أحياء إلخ، ولأن الجهة الموظّفة الوحيدة هي وزارة التربية والتعليم، وغالباً ما تكون الحاجة في القرية، فقد بقيت تلك الأعداد عاطلة عن العمل، في الوقت الذي نجد جامعيين بنفس الاختصاصات، وجامعيات في مدن عربية، امتهنوا العديد من الحرف بما فيها العمل على سيارات الأجرة، بحافز الحاجة، وكانت المصادفة أن العديد منهم رفض وظائف الدولة والشركات باعتبار المهن الحرة أكثر كسباً..

الصدام بين الثقافات والتقاليد، وموت الحوافز وانعدام التخطيط، تحديات بدأت تبرز ولكن الحلول منعدمة..