موقفان متباينان بشكل كامل ميّزا توجه دول الاتحاد الأوروبي حيال ملف التواصل والاتصال مع الحركات المقاومة في كل من لبنان وفلسطين. الموقف الأول عكس بلا شك نضجا سياسيا ودبلوماسيا هو مطلوب بقوة في الوقت الحاضر، في حين كرّس الثاني مفهوم السذاجة الذي طالما رافق الأداء الدبلوماسي لبعض دول هذا الاتحاد.

وبغض النظر عن المدى الذي يمكن لأي طرف أن يستثمره من خلاله اللقاء الأول الذي حصل قبل أيام بين السفيرة البريطانية في بيروت فرنسيس غاي ورئيس الكتلة النيابية لحزب الله النائب محمد رعد، وقبله اللقاء الذي جرى مع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، فإن لهذه اللقاءات أهمية استثنائية حتما يمكننا تفسيرها من أكثر من زاوية.

مقابل ذلك، برز موقف مناقض تماما كرّس في أذهاننا معالم السذاجة والمراهقة الدبلوماسية التي ميّزت الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي منذ لحظاتها الأولى، حيث أعلن رئيس المجلس النيابي التشيكي ميلوسلاف فيلتشيك قبل أيام قليلة بأنه قرر طرد أبرز مستشاريه (وهما برلمانيان ودبلوماسيان مخضرمان) لأنهما اجتمعا مؤخرا في غزة مع ممثلين عن حركة حماس.

وبرغم إصرار بعض المراقبين بأن الخطوة قد تكون مرتبطة بحسابات انتخابية تشيكية داخلية، إلا أن الواجب الصحافي يفرض علينا أن نشير لما جرى بكل موضوعية، لأن هذا الموقف المثير للاستغراب ترافق مع المناخ التفاؤلي آنف الذكر على الساحة الأوروبية ـ اللبنانية.

ما يهمّنا بالطبع هو الموقف الأول لأنه يرسم في الأفق سلسلة من المؤشرات الهامة التي قد تُحدث بعض الاختراق في ساحة العمل الدبلوماسي، خصوصا في ما يتعلق بواقع الحركات المقاومة واحتمال تطورها إلى حركات سياسية نشطة على الصعيد الدبلوماسي، لكن أيضا في مدى قدرتها على التواصل وإيصال آرائها إلى الضفة الأخرى.

وهو يعكس بلا شكل تقدما جوهريا في طريقة تفكير أبرز قادة الاتحاد الأوروبي، لأنهم اقتنعوا على ما يبدو بأن منطق الحوار مع الأطراف الفاعلة في المنطقة بات ضروريا بل مفصليا لإجراء أي اختراق في عملية السلام الشاملة.

طبعا لا يمكننا التمادي في التفاؤل بخصوص احتمال أن يتمكن أي طرف من التأثير على الطرف الآخر، لأن كليهما وليد مدرسة أيديولوجية وفكرية مختلفة تماما عن الأخرى، كما أن لكلاهما خارطة طريقة مختلفة كليا حول كيفية فهم مشروع التسوية أو حلّ القضايا العالقة.

هذا أيضا ما بدا بشكل واضح من خلال اللقاء بين ممثلي بريطانيا وحزب الله، ففي الوقت الذي أشار فيه ممثل الحزب اللبناني إلى ثوابته من مسألة السيادة اللبنانية والخروقات الإسرائيلية المتكررة للقرارات الدولية وتهديد الأمن القومي اللبناني من خلال شبكات التجسس وغيرها، أصر ممثلو صاحبة الجلالة على استخدام نفس الديباجة المستخدمة دائما، مع تغليفها طبعا بإطار دبلوماسي لبق.

ومختصر ما تصر عليه بريطانيا هو حث حزب الله على التخلي عن العنف لكي يضطلع بدور بناء وديمقراطي وسلمي في السياسة اللبنانية بما يتفق وقرارات الأمم المتحدة، وفق ما أعلن مصدر رسمي مؤخرا.

المهم في ما صدر عن الجانب البريطاني هو أنه ميّز بين المنتمين إلى حزب الله الذين يتعاطون بشكل شرعي السياسة اللبنانية وأولئك المتورطون في أعمال عنف ويساندون الإرهاب. وبغض النظر عن «الألغام» الكثيرة التي يحتويها هذا الوصف، إلا أنه يمكننا القول بأنه يشكل تقدما لافتا في طريقة التعاطي الأوروبي مع بعض الحركات المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط.

والأهم من ذلك هو أن هذا المنطق الدبلوماسي، بات يشكل حالة واسعة بين صفوف الدول المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني بأنه قد يقترب يوما ما من حالة الشمولية في حال تم التوافق على سلسلة من الأمور التي قد تحكم أداء دبلوماسية هذا الاتحاد.

بالطبع، فأن الموقف الذي صدر في تشيكيا أزال كثيرا من معالم حالة التفاؤل التي سادت بعد لقاءات الاتحاد الأوروبي مع أركان حزب الله اللبناني. وشخصيا لا أعتقد بأنه سيكون لهذا الموقف أي تأثير على الساحة الأوروبية أو الشرق أوسطية، بل سيزيد للأسف من عزلة هذه الدولة الأوروبية في ما يخص احتمال تأثيرها في ملف التسوية الذي طالما عبّرت قيادتها عن تأييدها له.

وقد يقول قائل بأن تشيكيا هي أصلا بغنى عن لعب أي دور مؤثر في مشروع السلام لاعتبارات مختلفة، لكن حقائق الأداء والتحرك الدبلوماسي تثبت غير ذلك تماما، لأن براغ طالما أكدت بأنها «متورطة» بشكل كامل في ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، على الأقل في طريقة اختيارها للمواقف السياسية المنحازة للطرف الإسرائيلي.

بغض النظر عن ذلك يمكن القول بأننا أمام مرحلة جديدة من التعاطي بين الاتحاد الأوروبي والحركات المقاومة في منطقة الشرق الأوسط. وما يهمّنا في هذا السياق، آخذين بعين الاعتبار ملف الصراع العربي الإسرائيلي، هو طريقة التواصل مع أبرز حركتين مسلّحتين هما حزب الله وحركة حماس، لكن أيضا مع غيرهما من الأحزاب والحركات التي تشكّل عماد حركة المقاومة في فلسطين.

وإذا كنّا نرحب بهذا التقدم على الصعيد الأوروبي، يجب أن نطالب الحركات المعنية بتبني سياسة أكثر جدية في كيفية تعاطيها مع العالم الخارجي بأكمله وليس الأوروبي وحده. وهذا يتطلب بالطبع مواقف جريئة وشجاعة تستلهم العبر من التجارب الكثيرة حول العالم، لا سيما ما يرتبط منها بضرورة تحصين اللحمة الوطنية وتدعيم الموقف الجامع الخالي من أي تشتت.

بهذه الطريقة فقط سيتمكن المعنيون من ادّعاء تمثيلهم للشريحة الواسعة من أبناء وطنهم، وسيكون بمقدورهم الاستمرار بفرض أنفسهم كطرف مؤثر يعبّر عن جزء أساسي من المجتمع المؤمن بمنطق المقاومة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz