حملت نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة للعالم مفاجآت كثيرة، وكثير من هذه المفاجآت لم يكن يتوقعه أحد، بداية بنتيجة الانتخابات نفسها والفوز الكبير للرئيس أحمدي نجاد وثورة خصومه ورفضهم للنتائج، ثم اندلاع الاضطرابات في شوارع المدن الإيرانية بشكل لم تشهده إيران منذ ثورتها الإسلامية حتى الآن.
والحقيقة أن نتائج الانتخابات التي أشعلت الساحة الداخلية في إيران لم تشغل اهتماما كبيرا في الخارج مثلما شغلت الاضطرابات والمظاهرات التي جاءت كرد فعل عليها، وكان من المتوقع أن تأتي ردود الفعل في الخارج على الساحتين الدولية والإقليمية بنفس حدة وسخونة الأحداث الداخلية في إيران، لكن المفاجأة التي أدهشت الكثيرين وأثارت ومازالت تثير جدلا واسعا في العالم كله أن ردود الفعل الرسمية من معظم دول العالم وخاصة الدول الكبيرة .
وأيضا دول الجوار الإيراني جاءت هادئة ومتحفظة بشكل واضح، والملفت للنظر في هذا الخصوص رد الفعل الأميركي الرسمي الذي جاء على غير المتوقع متحفظا وهادئا بالدرجة التي أثارت بشدة خصوم الرئيس الأميركي أوباما من الجمهوريين الذين اعتبروه مهادنا للسياسة الإيرانية ومؤيدا لها.
فقد أعربت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، بدل التهديد والدعوة لمواصلة الاحتجاج، «عن الأمل في أن تعبر نتائج الانتخابات عن إرادة ورغبة الشعب الإيراني».
وتتلخص «الرسالة» المتضمنة في هذا التصريح، كما يبدو، في أن إدارة أوباما ترفض ممارسة الثورات الجديدة «الملونة» في إيران (وقد يكون في بلدان أخرى)، مفضلة الاستقرار والحوار على الضغط والتدخل.
ومن المؤكد أنه لو اتخذت التطورات مثل هذا المنحى في زمن بوش الابن لدفع الرئيس الأميركي في هذه الحالة إلى المواقع الأمامية «مدفعيته الأيديولوجية الثقيلة»، وكان من الممكن في البداية أن تصف وزارة الخارجية الأميركية الانتخابات بأنها «مهزلة»، ثم تبدأ أبواق واشنطن في مخاطبة جماهير المتظاهرين داخل شوارع المدن الإيرانية وتعلن تأييدها لهم.
وكان هذا في حد ذاته يكفي لأن يملأ المتظاهرون الساحة المركزية في طهران، ويستمرون في إضراباتهم وتظاهراتهم، الأمر الذي كان سيضطر النظام الإيراني لاستخدام القوة بشكل أكبر، فيزداد العنف ويسقط الكثير من القتلى والجرحى، وهنا تتوفر لواشنطن وغيرها من المترصدين للنظام الإيراني الحجة لفعل أي شيء حتى لو أدى الأمر للتدخل العسكري، ولكن لم يحدث أي شيء من هذا القبيل.
ويبدو أن الرئيس الأميركي الجديد أوباما يسعى حقا إلى عدم تقليد سلفه، وأن دعوته إيران مؤخرا للحوار ليست مزاحا، وليست أسلوبا دعائيا مبتذلا.
ويبدو جليا في الوقت ذاته أن مثل هذا الحوار الافتراضي، بعد الأحداث التي جرت، سيكون صعبا على واشنطن أكثر منه على طهران، فقد سيطر المحافظون المتشددون في إيران على مقاليد الأمور، واستعرضوا شعبيتهم وأيضا قوتهم في الداخل بالشكل الذي يعطيهم القوة أمام أية جهات أجنبية، وكل هذا يعني أن أوباما سيواجه في المفاوضات الأميركية الإيرانية المحتملة، إذا جرت في وقت ما، خصما قويا. وسيكون هذا، على الأرجح، أحمدي نجاد نفسه، الذي عزز نفوذه كقائد للنخبة المحافظة التي أصبحت بعد كل ما حدث، حسب رأي صحيفة «نيويورك تايمز» موحدة أكثر من أي وقت آخر.
بخلاف بريطانيا التي بدر منها اعتراضات واضحة على الانتخابات الإيرانية وعلى الأحداث في إيران، فإن الدول الأخرى التزمت التحفظ والسكوت، والكثير منها اعتبر أن ما يحدث هو شأن داخلي لإيران لا يجب التدخل فيه، والبعض الآخر حذر بشدة من أي تدخل أجنبي في الشأن الإيراني، وخاصة روسيا والصين وبعض دول الجوار الإيراني التي لا تريد أية توترات في المنطقة تؤدي في النهاية لتدخلات أجنبية لا تحمد عقباها.
كل هذه الأمور تؤكد في النهاية أن إيران أصبحت بالفعل قوة مؤثرة على الساحة الدولية، وتثبت أن التعامل مع إيران في الفترة المقبلة سيختلف كثيرا عنه في الفترة السابقة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني