مبادرة فريدة من نوعها بشكلها، وخاصة وأساسا بمضمونها. أطلقتها في الأصل مجموعة من رجال السياسة الأميركيين من أصحاب المناصب القيادية العليا سابقا، ديمقراطيين وجمهوريين. لقد حددوا هدفها بدعم سياسة الرئيس باراك اوباما في الشرق الأوسط. وطالبوا بضرورة أن ترفد توجههم أصوات من أوروبا.

لم تتأخر الاستجابة، إذ أعلن عدد من القادة والوزراء الأوروبيين السابقين دعمهم المبادرة الأميركية، مما شكّل في المحصلة مبادرة مشتركة مزيّلة بتواقيع سياسيين من جانبي الأطلسي لا يزال لهم رصيدهم الكبير على الساحة السياسية لبلدانهم، بل ولما ما هو أبعد منها بكثير. وليس أقلّ هؤلاء شأنا زبيغنيو برزنسكي وبرنت سكوكرفت وهوبير فدرين وماسيمو داليما وهلموت شميت وغيرهم. مجرّد تصفح الأسماء يبيّن أن المسألة تتعدّى «عريضة» استعراضية لـ«تخليص الضمير» وإنما هناك صوت جديد له وزنه.

وقبل الخوض في مضمون هذا الصوت الأميركي ـ الأوروبي الجديد، لا بدّ من الإقرار أنه ما كان له أن يوجد أصلا لولا وجود باراك اوباما، أول رئيس أميركي أسود، في البيت الأبيض. هذا الرجل الذي لم يكن حتى فترة قريبة سوى «سناتور» مغمور عن ولاية الينوا، فتح أبوابا كانت موصدة حتى الآن.

وإذا كان أصحاب هذه المبادرة قد أطلقوها من أجل دعم السياسة الأميركية الجديدة الداعية للسلام في الشرق الأوسط، فهذا يعود أوّلا وأساسا لكون أن باراك اوباما قد جعل من هذه المنطقة نقطة انطلاق حقيقية في منظور إعادة أميركا إلى العالم بعد أن كانت الإدارة السابقة قد جنحت فيها، باسم مقولات الريادة والسيادة والهيمنة غير البعيدة عن القاموس السياسي الأميركي تاريخيا، بعيدا عن «جوقة» الأمم.

لم يفعل اوباما كغيره من الرؤساء الأميركيين الذين حرصوا جميعهم، جمهوريين وديمقراطيين على أن يكسبوا أوّلا ودّ إسرائيل، وكان جورج دبليو بوش من أكثرهم حماسا في التماس ذلك الودّ.

وحتى أولئك الذين أولوا أهمية لملف السلام في الشرق الأوسط، مثل الرئيس كلينتون، إنما فعلوا ذلك في خريف إداراتهم التي انتهى عمرها قبل أن تحقق أيّة خطوة ملموسة. اوباما امتلك شجاعة وتصميم البدء بمعالجة هذا الملف منذ البداية.

الأكيد هو أنه لم يفعل ذلك لكون أن اسمه هو باراك حسين اوباما، كما طاب للبعض القول أو كما «غمز» البعض الآخر. لكنه فعل ذلك خدمة لما يعتقد أنه، أوّلا وأخيرا، مصلحة الولايات المتحدة الأميركية ولما يتماشى مع رؤيته للعالم البعيدة تماما عن أفق «الصدام الحضاري».

بهذا المعنى لا يشكل اوباما قطيعة حقيقية مع فترة جورج دبليو بوش فحسب ولكن مع رؤية أميركية سادت منذ فترة طويلة جدا. هنا قد ينبغي فتح قوسين للتأكيد أن تجربة حياة اوباما وما تمثّله بكل أبعادها جعلته يحلم بعالم متعدد الثقافات ويسوده السلام ويقبل الاختلاف.

ولم يضع اوباما الكثير من الوقت في الحيثيات، لكنه ذهب إلى جوهر المسألة مباشرة مؤكدا على نقطتين لتحقيق السلام هما القبول بحلّ الدولتين ووضع حد نهائي للاستيطان. بل وحقق تبدّلا نوعيا في النهج السياسي التقليدي الأميركي عندما جعل من مسألة تحقيق السلام في الشرق الأوسط نوعا من المصلحة القومية الأميركية.

مع ذلك كلّه، من الخطير هنا الذهاب بعيدا وصياغة رؤية للواقع قائمة على الأوهام. إن اوباما لم يتخلّ عن إسرائيل ولم يتراجع عن الالتزامات الأميركية بحمايتها. هذا ما قاله تصريحا وليس تلميحا. لقد تخلّى فقط عن نهج دفعت أميركا الكثير من مصداقيتها ثمنا له وقد يجرّ العالم إلى مواجهات لا أحد يعرف ما ستؤول إليه. ثمّ ليس من مصلحة أميركا ولا بمقدورها الذهاب في مغامرات عسكرية بلا حساب. إنه أوّل رئيس أميركي يقول «لا» للمنطق الذي تعوّد قادة لإسرائيل أن يجعلوا منه «قانونا» يخدم مخططاتهم بعيدا عن أي قانون.

لا شك أن مبادرة السياسيين الأميركيين والأوروبيين السابقين تحتوي على الكثير من التفاصيل المثيرة للجدل. مثل تلك المتعلّقة بطبيعة الدولة الفلسطينية المرجوّة ومدى «سيادتها» وإجراءات الأمن ودور القوة الدولية متعددة الجنسيات المقترحة...

وتفاصيل أخرى كثيرة. لكن هذا كلّه لا يلغي واقع أن اوباما قد أسس لنهج أثار مثل هذه المبادرة الأميركية ـ الأوروبية وربما مبادرات أخرى في المستقبل. وأهم من هذا فتح الباب، للمرّة الأولى، أمام أمل تحقيق السلام... وليس سرابه المزمن حتى الآن.

هذا ما تقوله معطيات الواقع التي لا ينبغي التغاضي عنها وتجاهلها، هذا إذا لم يكن التشكيك فيها والمحاسبة على النوايا. لكن هل سينجح اوباما في مسعاه؟. هذه مسألة أخرى تماما.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr