قرار إدارة الرئيس أوباما بإعادة السفير الأميركي إلى دمشق، بعد حوالي أربع سنوات على غيابه؛ يرمز إلى أكثر من رغبة في تطوير العلاقات مع سوريا. في كل حال، هي رغبة إيجابية بحدّ ذاتها. لكن فيها ما هو أبعد من ذلك. فهي خطوة أخرى من سياسة مدّ اليد للمنطقة عموماً. كما أنها دليل آخر على مغادرة لخطّ السلف بوش.
توجّه كان الرئيس الجديد قد وعد باعتماده، في سياسته الشرق أوسطية. حتى الآن، كان عند ما تعهد به على مستوى الخطاب. بدءاً من كلامه في تركيا، وقبله الرسالة الموجهة إلى إيران؛ وانتهاء بحديثه في جامعة القاهرة. مقاربة عزّزت صدقيته وجدّيته. يبقى أمامه ترجمة الخطاب. وبالتحديد، بخصوص «عملية السلام». وهنا مربط الفرس.
اعتراف مسؤول أميركي، لم تذكر «نيويورك تايمز» اسمه، بأن لسوريا دوراً في المنطقة ينطوي على تراجع عن سياسة المقاطعة، وإحلال الحوار وترطيب الأجواء مكانها. تغيير يلقى الترحيب. لكن الحوار وسيلة وليس غاية. تزداد أهميته، بقدر ما تكون غايته ضاغطة. وقبل كل شيء، بقدر ما يحقق على طريق تأدية الغرض منه.
المنطقة لا تحتمل الحوار لأجل الحوار. ترف لا تقوى عليه. قضاياها شائكة ومتفجرة ومستعجلة. بحاجة إلى مخارج وتسويات. المبادرات والمشاريع السلمية المطروحة، تمّ إجهاضها مراراً وتكراراً. الذي يعرقل ويضع العصي في الدواليب معروف. وأيضاً معروف من بإمكانه لجم المخرّب. إدارة أوباما تعرف عنوان هذا الأخير.
إسرائيل امتهنت هذه اللعبة. وليس خافياً أنها نسفت كل احتمالات التسوية، على مرأى ومسمع من واشنطن. بل وبمباركتها. على الأقل ، هذه الأخيرة لم تفعل شيئاً لوقف العربدة الإسرائيلية. ولو في أدنى الحدود، المتمثلة بموضوع التوسع الاستيطاني. الإدارة السابقة تركت لها الحبل على غاربه. اليوم، تعلن حكومة نتانياهو التحدّي.
لاؤها كبيرة وشاملة، لكل شروط «حلّ الدولتين». أمس، في باريس، عاد نتانياهو ليجدّد رفضه لوقف التوسع الاستيطاني. مع أن الرئيس الفرنسي طالبه بوقف البناء. المشكلة مع العواصم الأوروبية، كما مع واشنطن؛ أنها «تطالب» تل أبيب من دون أن تلوّح، حتى لا نقول تهدّد، بثمن عدم التجاوب. نتانياهو، كأسلافه، يدرك ذلك. لذا يتمرّد ويتحدّى. قبل يومين، ألغى لقاء مع المبعوث الأميركي، ميتشل؛ حتى لا يفاتحه بملف المستوطنات.
صدّ لا يخلو من الاستخفاف. كأنه سيّد اللعبة. انحياز واشنطن المطلق لإسرائيل، كان دائماً أساس تعكير وتوتير علاقاتها مع العرب. الرئيس أوباما أوحى بأنه يعتزم تعديل الصورة. إعادة السفير إلى دمشق تصبّ في هذا الاتجاه. يبقى الشق الجوهري: وضع إسرائيل على سكّة السلام الشامل.
