نتحدث اليوم عن هيجل، وهو فيلسوف ألماني كبير تحدث تقريبا في كل جوانب الحياة والوجود والسياسة والتاريخ، ويعتبر أحد أكثر الفلاسفة الألمان تأثيرًا في المذاهب الفلسفية المعاصرة؛ بل له تأثير كبير على الأفكار السياسية في العديد من الدول في القرن العشرين.
قال هيجل بنظرية في التاريخ أصبحت معروفة بالجدلية الهيجلية. وقد اعتقد هيجل أن أي مرحلة من مراحل التطور التاريخي تميل إلى أن تواجه وتستبدل بنقيضها، ويميل هذا النقيض، بدوره، إلى الاستبدال بمرحلة تكون حلاً بطريقة ما لمرحلتين متعارضتين. سميت هذه المراحل الثلاث للتطور الجدلي التقليدي، في العادة، القضية والنقيض والجمع بينهما.
وبعبارة أخرى: تمر أي دولة عند هيجل بمرحلة الملكية المطلقة المستبدة، ثم تعقبها مرحلة الديمقراطية المطلقة دون قيد، لكن في المرحلة الثالثة تركيبة وسطية بين الاثنتين، فلا هي دولة مستبدة ولا هي دولة فوضوية، بل دولة تجمع بين النظام والحرية.
وهنا أجد نفسي مختلفا مع هيجل، ففي بعض الدول لا نجد الثلاث مراحل، بل نجد أن كثيرا من الدول لم تعرف حتى الآن سوى المرحلة الأولى، رغم مرور آلاف السنين على نشأتها! وهناك دول لم تمر بالمرحلة الأولى لأنها لم تعرف الاستبداد، ولم تمر أيضا بمرحلة الفوضى، بل إنها منذ نشأتها كانت تعيش في نظام وسطي معتدل، أي في المرحلة الثالثة التي تجمع بين الحرية والنظام. وهذا ما نجده في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث نجد فيها منذ تكوينها نظاما مختلفا؛ مما يدل على نضج هذا النظام فلا هو ملكية مطلقة مستبدة، ولا هو ديمقراطية فوضوية مطلقة.
لأن دولتنا الاتحادية قامت منذ نشأتها لمصلحة الجميع، وبالفعل حققت الخير للجميع، وجمعت كل الإمارات السبع في بوتقة التعاون والتكامل دون جور أو استبداد من ناحية، ودون فوضى أو تسيب من ناحية أخرى. وتاريخ دولتنا يقف كدليل على خطأ فلسفة هيجل في السياسة والتاريخ.
ويعد هيجل صاحب فضل كبير في بلورة مفهوم المجتمع المدني فلسفيا وتمييزه من الناحية النظرية عن مفهوم الدولة. لكن نجد الدولة عند هيجل طاغية على المجتمع المدني، وهذا في رأينا خطأ؛ لأن العلاقة وثيقة بين المجتمع المدني والديمقراطية، وخاصة فيما يتعلق بحق الاختلاف في الآراء وفي المصالح المادية والمعنوية. ومنظمات المجتمع المدني هي مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية.
فسواء كانت جمعية خيرية، أو نادياً رياضيا، أو رابطة ثقافية، أو حزباً سياسياً، أو نقابة عمالية... فإنها تدرب أعضاءها على الفنون والمهارات اللازمة للديمقراطية في المجتمع الأكبر: الالتزام بشروط العضوية، وحقوقها وواجباتها، والمشاركة في النشاط العام، والتعبير عن الرأي، والاستماع إلى الرأي الآخر، وعضوية اللجان، والتصويت على القرارات، والمشاركة في الانتخابات، وقبول النتائج، سواء كانت على هوى العضو من عدمه.
إن ربط المجتمع المدني بالتحول الديمقراطي في الإمارات، ضروري خاصة وأن كل من ينحاز إلى مصالح الناس لابد وأن يفتح المجال للديمقراطية، ويعطي المجتمع المدني المساحة اللائقة به، وفي ظني أنه لا يمكن أن يوجد مجتمع مدني حقيقي إلا بتفعيل الديمقراطية فيه وفي سائر قطاعات المجتمع العام. ذلك أن الديمقراطية في المجتمع المدني غير منعزلة عن الديمقراطية في سائر قطاعات المجتمع العام.
وإذا كانت الديمقراطية هي الأسلوب الأمثل في إدارة المجتمع المدني، فإنها لا يمكن أن تحقق أغراضها، بل ولا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقة، دون أن تعم سائر القطاعات، من أسفل إلى أعلى، بحيث تصير ديمقراطية كاملة وليست ديمقراطية مبتورة بمعناها عند هيجل. ويظهر المجتمع المدني عند هيجل في مرحلة الروح الموضوعي، بين الأسرة والدولة. وتعبر الأسرة والمجتمع المدني والدولة عن الحياة الأخلاقية أو الأخلاق الاجتماعية.
وهنا ننتقل للحديث عن الأسرة؛ فهي تقوم عند هيجل على مبدأ الحب، واتحاد القلوب، والتناغم بين أفرادها، إن الانسجام المُدعم بالحب الخالص صفة جوهرية للأسرة الأبوية. وفي رأي هيجل يتمثل هذا المعنى بشكل مكثف في المرأة التي هي موجهة بواسطة العاطفة والشعور؛ ولذلك فهي مقدر لها الحب والزواج.
وهنا نختلف مع هيجل الذي أراد أن يحصر وظيفة المرأة في الحب والزواج، نعم هذه وظيفة مهمة للمرأة لكنها ليست الوظيفة الوحيدة، وهذا ما تعمل على تأكيده دولتنا الاتحادية اليوم؛ حيث تعطي للمرأة مساحة كبيرة للعمل العام.
وقد وصف هيجل الأسرة بأنها «الجذر الأخلاقي للدولة»، وهنا أريد أن أتوقف قليلا لأني أشعر أن الأسرة الإماراتية باتت مهددة الآن، ويجب أن نعطيها اهتماما أكبر؛ حتى تستعيد دورها التي أوشكت أن تفقده بسبب العولمة الكاسحة.
فهي لم تعد على حالها من الوحدة والانسجام، بل تفككت إلى أفراد مستقلين خرجوا من الأسرة إلى دائرة الحياة؛ حيث صراع المصالح الأنانية بين الشخصيات الجزئية المتناحرة. إن الأنانية صارت هي المبدأ الأول؛ وهي تتمثل في الشخص الذي يتخذ من ذاته هدفا أساسيا؛ حيث يسعى لإشباع غاياته الجزئية، ويعمل على تلبية حاجاته الخاصة، ويحكمه الهوى الشخصي، وتحركه الرغبات المادية. فهدفه هدف أناني في المقام الأول. ويكون الشخص معزولا ومنفصلا عن الآخرين.
وهنا لابد من استعادة دور الأسرة في دولتنا الاتحادية باعتبارها أساس الدولة والمجتمع. وهنا أيضا لابد من التأكيد على وظيفة الدولة الاتحادية التي تتمثل في تحقيق التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
وهذا التوازن لن يتحقق دون إعادة النظر في طرق التربية.