في شهر أكتوبر الماضي وفى حفل عشاء أقيم بالنادي الدبلوماسي المصري على شرف عدد من أعضاء الكونجرس الأميركي الجمهوريين والديمقراطيين السابقين، وجهت سؤالا للأعضاء الجمهوريين. قلت لهم ما هي الحلول التي تقترحونها لما أعتقد أنه الأزمة الكبرى لحزبكم؟
فهو صار يقدم بانتظام وجوها تتسم ليس فقط بالغطرسة والجهل والتعصب وانما بالعداء للعرب والمسلمين على نحو ما تجلى في المؤتمر العام للحزب؟ وفى الحقيقة فإنني حين طرحت السؤال لم أكن أنتظر إجابة وانما قصدت أن أبعث برسالة تمنيت أن يفهمها المتلقون ويعون معناها إذا كانوا فعلا حريصين على العلاقة مع هذه المنطقة من العالم كما قالوا في بداية حفل العشاء.
تذكرت تلك الواقعة وأنا أتابع قناة فوكس الأسبوع الماضي. فالواقع الذي تحدثت عنه في حفل العشاء صار أسوأ بكثير مما كان عليه في نهاية العام الماضي وصار ينذر بعواقب وخيمة فالمسألة لم تعد تمس العالم الخارجي فقط وانما صارت تهدد الداخل الأميركي نفسه. فبعض رموز اليمين الأميركي تلعب اليوم أدوارا بالغة الخطورة قد تكون لها تداعيات أسوأ مما يتصور البعض.
فمن ناحية تعد بعض قوى اليمين العدة في انتظار اللحظة المواتية للانقضاض على أي تحول إيجابي حدث منذ خروج بوش من الحكم ومن ناحية أخرى صارت بعض القوى اليمينية تقوم بانتظام بتأجيج نيران التعصب الأعمى على نحو صار ينذر بانفجار العنف على نطاق واسع ليس فقط عنفا مجتمعيا كما بدأ يحدث فعلا في الشهور الأخيرة وانما يطول أيضا السياسيين على أعلى المستويات.
فليس خافيا على أحد أن بوش خرج من الحكم وقد ترك حزبه في أزمة كبرى. وتتجلى تلك الأزمة في الافتقار إلى الأفكار والبدائل السياسية وإلى الزعامة أيضا. فإدارة بوش جرت أميركا لكوارث كبرى سوف تظل تعاني منها لسنوات قادمة في الداخل والخارج.
وقد أدرك الأميركيون أن ذلك يعني فساد الأفكار التي بنيت عليها تلك السياسات. لكن انتخابات 2008 كشفت عن أن الحزب الجمهوري لم يخرج من أسر تلك الأفكار فكانت النتيجة هزيمة ساحقة طردت الحزب من البيت الأبيض وقلصت من مقاعده في الكونجرس بل وأدت لنجاح الحزب الديمقراطي في اكتساب أرضية في عدد من الولايات التي ظلت لعقود من معاقل الجمهوريين.
ولم يفلح الحزب في تلك الحملة ولا بعدها في تقديم وجوه جديدة قادرة على تولى زعامة الحزب. ففي الوقت الذي قدم فيه الحزب الديمقراطي على القمة امرأة وأسود لمنصب الرئاسة، ظل الحزب الجمهوري يتجه أكثر نحو اليمين ويكتسب صورة أكثر «بياضا» كل يوم. حتى سارة بيلين فقد مثلت تجسيدا صارخا لما كنت قد قلته لأعضاء الكونجرس. فهي عبرت عن ذلك الخليط الخطير من الجهل والغطرسة الذي ينضح بالتعصب والعنصرية أيضا.
وقد حاول الحزب بعد الانتخابات أن يقدم حاكم ولاية لويزيانا بوبي جندال ذي الأصول الهندية كرمز جديد للحزب ولكن ثبت أنه دون المستوى فسعى الحزب للدفع بمايكل ستيل رئيس الحزب الجمهوري ذي الأصول الأفريقية فلم تكن النتيجة أفضل بأي حال.
ومن هنا وقعت زعامة الحزب الجمهوري في أيدي رموز تقليدية كلها في الواقع متطرفة بشكل أو آخر فزاد ذلك من أزمة الحزب. فقد صار وجه الحزب الجمهوري هو ديك تشيني ومعه راش ليمبو الإذاعي اليميني المتطرف.
أما ديك تشيني فقد قفز للساحة ليتهم أوباما بأنه حين يتخلص من سياسات بوش بشأن التعذيب وانتهاك القانون الأميركي انما يعرض الأمن الأميركي للخطر. وخطورة ما يفعله تشيني على رأس فريق ضخم من رموز اليمين هو أنه يعد العدة للانقلاب على كل ما فعله أوباما متى جاءت اللحظة المواتية مثل وقوع عمل إرهابي يستهدف أميركيين في أي مكان في العالم.
وقتها يمكن استخدام خطاب ديماجوجي يعيد أميركا لإرث بوش حتى في أثناء فترة حكم أوباما. لكن الأخطر من ذلك الفريق هو فريق ليمبو وقناة فوكس وغيرهما من المتطرفين الذين يستخدمون لغة تحرض على استخدام العنف ليس فقط ضد قوى اجتماعية مناهضة وانما ضد السياسيين أيضا.
فبيل أورايلى اليميني المتعصب صاحب البرنامج الشهير استخدم عشرات المرات لغة رآها الكثيرون تحريضية أسهمت بشكل غير مباشر في خلق المناخ المتعصب الذي أدى لعودة الجماعات التي تناهض الإجهاض عبر قتل الأطباء وتحطيم العيادات.
لكن فوكس أيضا تستخدم اللغة نفسها ضد سياسيين أميركيين ديمقراطيين تتهمهم بمهادنة أعداء أميركا بل والتحالف مع الإرهابيين. وهو ما فعلته مع رموز كثيرة مثل رئيسة مجلس النواب وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ.
لكن الأسوأ من هذا وذاك ما تروج له الكثير من مواقع اليمين ضد أوباما نفسه منذ أن ألقى خطابه للعالم الإسلامي. فهناك حملة محمومة تنفث سمومها ضد الرجل وتتهمه بكل شيء بدءا من التحالف مع أعداء أميركا ووصولا للتشكيك في دينه بل وولائه لبلاده أصلا.
المثير للجزع حقا أن يصل الأمر مؤخرا بصحيفة يمينية ظلت تحظى بالاحترام هي الواشنطن تايمز لأن تنشر مقالا يمثل تحريضا صريحا على أوباما بعد الخطاب الذي ألقاه للعالم الإسلامي. وكاتب المقال هو فرانك جافني وهو أحد عتاة المحافظين الجدد الذي ينضح خطابه بالكراهية الشديدة للعرب. وهو بالمناسبة من الجوقة نفسها التي دافعت باستماتة عن استمرار التعذيب في جوانتانامو وغيره وكانوا من الذين روجوا لحرب العراق ومن المدافعين عن كل جرائم إدارة بوش.
الجو المسموم في أميركا يزداد سوءا وهو يؤكد ما كانت وزارة الأمن الأميركي قد أعلنته في تقرير لها في أبريل الماضي حذر من تصاعد التطرف اليميني في أميركا الذي يستخدم السلاح لتحقيق أهدافه السياسية.
كاتبة مصرية
